قصص واقعية: اختفاء ليلى ج2

في الجزء الأول من قصة اختفاء ليلى، عشنا مع يوسف لحظات الصدمة الأولى حين عاد لبيته ليجد فراغًا موحشًا بانتظاره؛ اختفت ليلى دون أثر، وتلاشت معها السكينة ليحل محلها رعبٌ تسلل عبر الجدران والمرايا. وبينما كان البحث مستمرًا في الطرقات والمستشفيات، بدأت إشارات غامضة تظهر ليوسف، توحي بأن الأمر يتجاوز مجرد اختفاء طبيعي.

واليوم في الجزء الثاني، ننتقل من حيرة البحث إلى مواجهة الحقيقة المُرّة. يطرق يوسف باب الشيخ محمد ليس كصهرٍ يبحث عن زوجته، بل كغريقٍ يرجو النجاة من لعنةٍ بدأت تنهش جسده وتكشف عورة ماضيه، فما هو الثمن الذي سيدفعه يوسف؟ وكيف سيواجه حماه بعد أن يُكشف المستور؟

ما زال الغموض يلف حياة ليلى وزوجها الذي يعيش أشد أيام حياته ظلامًا، ربما ذلك الثمن الذي توجَّب عليه دفعه نتيجة إثمه العظيم تجاه زوجته. ولكن إلى متى سيظل يدفع ذلك الثمن؟ وإلى متى سيظل اختفاء ليلى سرًا تحوم حوله تساؤلات مرعبة لم تظهر إجاباتها بعد؟ إليكم الجزء الثاني من قصة (الغائبة).

دخل يوسف بيته ونام وقتًا قليلًا ثم استيقظ على أصوات غريبة.. دقق يوسف السمع ليجد تلك الأصوات تأتى من المطبخ، نهض من مكانه وخرج من غرفته بريب وبطء ليزداد الصوت قربًا، وحينما دقق السمع وجدها تلك الأصوات التي كانت تصدرها ليلى وهي تطبخ الطعام.. فذهب مسرعًا إلى المطبخ مشتاقًا لرؤيتها، وإذا بالمفاجأة... المطبخ فارغٌ والأصوات توقفت، فنظر يوسف حوله ثم أمسك رأسه بيديه ومسح على رأسه بعصبية غير مصدق لكل ما يحدث.

هرول يوسف إلى غرفته يرتدي ما أمامه من ملابس، ثم خرج من بيته واستقل سيارته واتجه إلى بيت حماه الشيخ محمد.

نهض الشيخ على دقات يوسف فزِعًا لا يعلم من يدق الباب بتلك الطريقة، وفتح الباب فنظر له الشيخ متعجبًا من منظره غير المهندم على غير عادته، وقال له: يوسف؟ ما الذي حدث يا بني؟ هل وجدت ليلى؟

رد يوسف وهو يهز رأسه وجسده يتصبب عرقًا: لا يا حاج لم أجدها، لكني لست بخير وأحتاج إلى مساعدتك.

أفسح الشيخ له الطريق وقال له وهو يجذبه للداخل: ادخل يا بني.. ادخل.

دخل يوسف بعد أن خلع حذاءه قرب الباب، وجلس يرتعد على كرسي، وجلس أمامه الشيخ وهو يقول: ماذا بك يا يوسف؟ تحدَّث.

رد يوسف بتلعثم يحاول إخراج الكلام من فمه: منذ عدة أيام وأنا أعيش أمورًا غريبة، وأرى كوابيس مخيفة ولا أجد تفسيرًا لذلك.

- فقط اهدأ واحكِ لي بالتفصيل ما يحدث معك لأستطيع إفادتك.

- ‏ذات مرة كنت واقفًا أمام المرآة، فجأة ظهرت أمامي فتاة شكلها مرعب، وعندما كنت في المكتب اليوم انطفأ النور فجأة وأُغلق الباب، وحينما نظرت إلى الحائط وجدت رموزًا ورسومات غريبة لم أرها من قبل وكأنها مكتوبة بالدم ثم اختفت، وليلة أمس سمعت صوتًا في المطبخ ولم يكن غيري في البيت ثم اختفى الصوت.

فكَّر الشيخ قليلًا ثم قال وكأنه يتأكد من فكرة جالت بخاطره: صف لي الرسمة التي رأيتها على الحائط.

- ‏جدول مكتوب به رسومات ورموز غريبة.

 أحضر الشيخ ورقة وعرضها أمام يوسف قائلًا: مثل هذه؟

- نعم إنها هي.

سكت الشيخ قليلًا؛ ربما لأنه أدرك ما أصاب يوسف. فنظر يوسف في ريبة، وقام الشيخ من جانبه وجلس أمام مبخرته ورمى بعض البخور وهو يردد أدعية وآيات قرآنية، وأغمض عينيه، وكلما مر الوقت ازداد صوت الشيخ ارتفاعًا وازداد يوسف ارتعادًا، وفجأة وضع يوسف يده على بطنه وصرخ صراخًا شديدًا متألمًا لأمر أصابه. ففتح الشيخ عينيه وتوقف لسانه عن التحدث ثم قام من مكانه وأمسك بيوسف وأخذ ينادي عليه قائلًا: يوسف ماذا يحدث؟ لماذا تصرخ؟

رد يوسف صارخًا: بطني يا شيخ.

رفع الشيخ القميص الذي كان يرتديه يوسف وكشف عن بطنه فوجد محفورًا عليه اسم ليلى، وتسيل الدماء من كل حرف منه.

هدأ صراخ يوسف، وأعاد ظهره للخلف متألمًا مغمضًا عينيه. أما الشيخ فظهرت علامات الأسى والحزن على وجهه؛ فهو معتاد على تلك الأمور، لكن قلبه قد آلمه لِما أصاب زوج ابنته. ثم أخذ يفكر في الأمر قليلًا، فذهب إلى مقعده. 

كشف الشيخ عن بطنه فوجد محفورًا عليه اسم ليلى وتسيل الدماء منه

وقال يوسف متنهدًا بصوت ضعيف: ما الذي يحدث يا حاج محمد؟

- إنه سحر أسود يا بني وليس مجرد تعاويذ أو عمل يمكن فكه بسهولة، وهناك جني قد سُلِّط عليك لأذيتك.

نظر يوسف إلى الشيخ مرتعبًا مما سمع، وحاول التحدث لكن الصدمة كانت أقوى من أن تجعل لسانه يتحدث، وكأن شفتيه التصقت ببعضها بعضًا. أما الشيخ فقد نظر إليه متفحصًا وكأنه يفكر في شيء، ثم نظر إلى بطنه واسم ابنته الذي حُفر عليها وعاد لينظر إليه وقال: يوسف ما الذي حدث بينك وبين ليلى قبل اختفائها؟ لا تكذب عليَّ.

فكَّر يوسف قليلًا وتيقَّن أنه لا بد من كشف المستور وقال بتلعثم: في الحقيقة لقد تنازعنا قليلًا.

ونظر يوسف إلى الشيخ ليرى رد فعله وهو يزدرد ريقه، فسأله الشيخ: إلى أي مدى تنازعتم؟ هل ضربتها؟

- هي تسببت في إغضابي، وأنا لم أشعر بنفسي إلا وأنا أضربها، لكني توقفت حينها. ثم نظر إلى الأرض كالعاري الذي كُشف جسده وسقطت الملابس عنه. 

كظم الشيخ غيظه ونهض من مكانه وجذب يوسف من ذراعه بهدوء وقال: انهض يا يوسف واخرج الآن من البيت؛ فأنا لن أسامح في حق ابنتي، لكني لن أفعل بك شيئًا، يكفي ما حلَّ بك.

ثم ذهب إلى الباب وفتحه، فخرج يوسف مطأطئًا رأسه نادمًا على ما فعل، وعاد إلى بيته ثم جلس على طرف فراشه ساندًا ذراعيه على ركبتيه وواضعًا كفيه على وجهه، ثم تذكر ما حدث تلك الليلة:

كانت تجلس هادئة في غرفتها تنظر إلى المرآة كمن يقف وراء القضبان ينتظر الإفصاح عن حكمه.. يُفتح باب الشقة فتنتفض مكانها ويدخل هو هائجًا ويقول: ليلى أين أنتِ؟ ثم يبحث عنها، ويبحث أولًا في غرفتهما فيجدها تجلس مفزوعة، فيندفع نحوها جاذبًا شعرها وهو يقول بعصبية بالغة: هل تعتقدين أنني لن أعلم بخروجك اليوم بدون إذني؟

أفلتت من يده وقالت وهي ترتعش: والله لم أخرج، إنه رجل الكشف عن الغاز وأنا فتحت له الباب.

جذبها من شعرها وانهال عليها بالضرب وهو يقول: ألم أقل لكِ ألا تفتحي الباب لأحد في عدم وجودي؟ لماذا لا تسمعين الكلام؟

ظلت تصرخ وتستنجد به ليرحمها، لكنه لم يكن يستمع إليها، كان فقط يستمع إلى أهوائه ماذا تريد، فإن كانت طاقة زائدة فسيفرغها، وبالفعل أخذ كل ما يريد وتركها كجثة.

لم تكن تلك المرة الأولى، بل كانت هناك مرات ومرات، أو ربما كان كل يوم لكنها لم تستطع أن تبوح بذلك إلا مرة واحدة، وندمت بفضله أشد الندم لأنه حرمها حتى من الطعام والشراب لعدة أيام كعقاب لها، فلم تعد تشتكي، حتى الدموع جفت فلم تعد تبكي، فالبكاء بعد وقت ينتهي ويبقى ألم القلب المحترق.

أسند يوسف ظهره على السرير وراح في سبات عميق، ثم ذهب إلى عمله وظلت الأمور مستقرة لعدة أيام.. لم يقل الشيخ محمد لابنه أحمد شيئًا مما حدث؛ لأنه يعلم أن ابنه لن يرحم يوسف وربما سيقتله انتقامًا منه، واستمر هو وأحمد يبحثان عن ليلى ويوزعان صورها على الناس في الشارع ربما رآها أحد.

ظل يوسف على حاله يسمع أصواتًا غريبة في البيت وكأن ليلى موجودة ووجودها غير مرئي، وينام فيرى كوابيس لا حصر لها، ويذهب إلى العمل منهكًا.. ازداد السواد تحت عينيه وازداد صمته وغابت الحياة من وجهه.

ذات يوم طلب المدير حضور يوسف، فاستأذن يوسف بالدخول وجلس على أحد جانبي المكتب أمام مديره. بدأ مديره الحديث قائلًا: ماذا حلَّ بك يا يوسف تلك الفترة؟ أراك منهكًا ومشتتًا طوال الوقت، حتى عملك أصبح مليئًا بالأخطاء.

رفع يوسف رأسه إلى المدير ليتحدث إليه وقد تلعثم لسانه عدة مرات لكن المدير قاطعه بحزم قائلًا: أرى أنك لا بد أن تنال قسطًا من الراحة لعدة أيام، وبعد أن تشعر بتحسن عُد إلينا مرة أخرى.

لم يجادل يوسف لأنه يعلم خطورة ما ألمَّ به، فقد أصبحت حياته باهتة كليلٍ قاتمٍ لا يعلم متى سينتهي سواده ويحل محله ضوء النهار.

عاد إلى المنزل منهكًا ثم ارتمى على السرير يائسًا وغلبه النوم. رأى وكأنه يسير هائمًا يتلفت حوله وإذا به في طريق يسوده الظلام القاتم خالٍ من كل معاني الحياة، حتى الأشجار قد جفت أوراقها. 

ظل يسير خلف فتاة ترتدي فستانًا أبيض. شعرها قصير ينسدل على كتفيها... ظل يسير بلا إرادة ولا يستطيع الرجوع وكأنه مقيد منها، ظل على هذه الحال إلى أن وصل إلى مكان موحش مهجور، دخله، وتأمل حوله في ذعر وقد غمر المكان ظلام دامس ينتشر بين جدرانه، وتسقط من سقفه بعض اللعب المشوهة والملطخة بالدماء، وأيضًا ينتشر على جدرانه خيوط العنكبوت التي تجعلك تفر من هذا المكان حينما تراها.. 

ظل يسير إلى أن وصل إلى مكان به فراش متسخ وأمامه مرآة لا يظهر من يقف أمامها لشدة اتساخها، اشتد فزعه حينما وجد الفتاة تجلس على الفراش ثم تنظر إليه وتبتسم وقد ظهرت أسنانها التي يغطيها السواد وازداد وجهها قبحًا وظلامًا.. إنها تلك الفتاة صاحبة الوجه المشوَّه التي رآها من قبل. 

صرخ بكل قوته ثم انتفض من السرير يحاول التقاط أنفاسه.. نعم لقد كان كابوسًا لكنه لم يكن يختلف عن حقيقة مرعبة عاشها للحظات مرَّت عليه كأعوام وتمنى بها الموت ربما يتخلص من كل هذا.. نهض مسرعًا من فراشه وركض خارجًا من بيته وكأن الرعب ما زال يتملكه وكأنه ممسوس. ثم قاد سيارته حتى وجد نفسه أمام بيت حماه...

دقَّ الباب دقات مضطربة، ففتح له حماه، وحينما رآه يوسف تناول يديه ليقبلها ويرجوه أن يساعده، ثم نزل إلى الأرض يقبل قدميه ويقول متوسلًا: أتوسل إليك يا حاج محمد ساعدني... أتوسل إليك فأنا لم أعد أطيق الحياة على تلك الحال.

رفعه الحاج مسرعًا وأمسك بذراعيه قائلًا: سأساعدك لوجه الله وليس من أجل خاطرك.. فقد كلفني الله بمساعدة العاجز، وسأجنب خلافنا لكني لن أتغاضى عنه.. ادخل.

ثم أشار له بالدخول فدخل مستسلمًا حزينًا. وتلك اللحظة كانت فارقة بالنسبة له؛ فقد رأى نفسه ضئيلًا جدًا على كل هذا التجبر الذي كان يتملكه.

هنا ندم على أفعاله وحياته، وتمنى لو كان كل ذلك كابوسًا وأنه سيستيقظ من هذا الكابوس ليصلح كل شيء، ولكن هيهات لما يتمناه المرء لحظة ندم.. 

جلس محطمًا خجلًا أمام تسامح الحاج.. جلس الحاج أمامه ثم بدأ برمي البخور في النار، وأغمض عينيه ثم ردد بعض الأدعية والآيات القرآنية، وكلما مر الوقت ارتفع صوته وتفصد جبينه عرقًا، ويوسف يجلس منزويًا متوترًا يتمنى أن ينتهي كل شيء.. 

فتح الحاج عينيه بعد مدة وأخذ يلهث محاولًا التقاط أنفاسه؛ فالأمر يبدو أنه قد تجاوز الصعوبة. ثم نظر إليه وقال: لنذهب يا يوسف إلى شقتك... فهناك تميمة السحر.

تابع الجزء الثالث...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.