يحكى أنَّ أعرابياً ذهب لأحد الملوك يطلب منه مالاً، فقال له الملك: ماذا تحب من المال؟
قال الأعرابي: أحب الضياع.
قال له الملك لك ما أردت، ما رأيك في ضياعي التي في الجهة الشمالية؟
قال الأعرابي: ما رأيت أخصب منها!
حينما أمر عليها أشعر أني أقترب من جنة الخلد، أشجارها عالية، وقطوفها دانية، وعيونها جارية.
قال الملك: ما استطعت أن تحوِّط عليه من طلوع الشمس إلى غروبها فهو لك.
فقال الأعرابي: وقد ظهر الغضب في وجهه أتهزأ بي أيها الملك.
فضحك الملك وقال: ما أهزأ بك ولكن كما أخبرتك، اذهب من الآن وعند شروق الشمس فامتلك من هذه الضيعة ما استطعت أن تلتف حوله.
ذهب الأعرابي وكله أمل أن يكون أغنى القوم بهذه الضيعة التي لا مثيل لها، وضع رأسه على صخرة وكانت وسادته، بينما يلتحف السماء، وهو يمني النفس وينتظر شروق الشمس، ويظن أن بشروقها ستشرق حياته، وستنتهي رحلة المعاناة، ستبتسم له الدنيا وستفتح له ساعديها، وستأخذه إلى رحلة السعادة، غدا، غدا غدا، وبينما هو يفكر نام حتى الفجر، وانتظر وهو يحسب أن الزمن توقف والساعة عجزت عن الحركة في تلك اللحظات، ولما اقترب الشروق ذهب إلى المكان المحدد لينتظر اللحظة الفارقة في حياته كما يبدو له، معه كل ما يريد في هذه الرحلة القصيرة من طعام وشراب.
وعندما أشرقت الشمس بدأ الرجل في العدو، إنه يعدو بسرعة البرق وإن كان جسده يبدو نحيلاً إلا أن الرغبة والأمل قد أودعا في جسده قوة وسرعة الفهد، ولكنه سرعان ما أصابه التعب والنصب.
قال الأعرابي لنفسه: خذي قسطاً من الراحة لعلكِ تنشطين من جديد.
قالت له نفسه: في وقت الراحة أكون قد حصَّلْتُ الكثير، نتعب الآن لنستريح بقية العمر.
ورفضت الراحة وظل الرجل يجري، حتى أصبحت قدمه لا تطاوعه على الجري، فأخذ يسعى حتى أصحبت قدمه لا تطاوعه على السعي، فأخذ يمشي، فعجزت قدمه حتى عن المشي، ونفسه ترفض الراحة، فأخذ يزحف وينظر خلفه ليرى ما حصل عليه طيلة يومه، وبينما هو كذلك إذ سقط في بئر فمات فيها.
مات الرجل وانتهت قصته، وانقطع أمله، وكانت البئر قبره.
مات دون أن يشعر بطعم الراحة، ولا عرف طريق السعادة.
مات ولم يهنأ بما جمع، ولا بما حصَّل.
ولو تفكرنا بعين البصيرة لعلمنا أن رحلة هذا الرجل هي رحلتنا جميعا في هذه الدنيا، نجري ونتعب لنحصل على الراحة، فيدركنا الأجل قبل أن نرتاح.
ونبحث فيها عن السعادة، ونحن نتنازل عنها وهي بين أيدينا.
نخاصم ونصالح ونكره ونحب ولو علمنا أنها تأخذنا على عجل لما تركنا لقلوبنا إلا الحب والعفو والمسامحة.
نبعد عن الله ونحن أحوج ما نكون إليه، وننسى الموت وهو أقرب ما يكون إلينا.
لا نشغل بالنا بما خلقنا من أجله، ونلهث وراء ما ضمنه الله لنا.
هذه باختصار رحلة الحياة.
اقرأ أيضاً
- تعرف على علاقة النظم التعليمية بالاكتئاب عند أطفالنا
- لقد أفسدت السوشيال ميديا أذواقنا في الطعام
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.