ظللتُ هكذا حتى جاء ذلك اليوم، كنتُ قد تلقيت فيه رسالة سريعة من زوجي أخبرني فيها بضرورة إنهائي لذلك العقاب على طريقتي الخاصة، فهو يأمل ألا يشعر ابننا بالحقد على أخوته الصغار وبالجحود علينا، ورددت مع قراءتي لتلك الرسالة "حسنا إنه اتفاق رجال"..
ودلفتُ لغرفتي، قررتُ إعادة ترتيب خزانتي فهي عادتي التي أقوم بها دوماً حينما أفشل في تدبير أمر ما.. فهنا وأثناء طيّي للملابس أريد إعادة ترتيب أفكاري.. ألقيتُ بكل شيء على جميع أنحاء غرفتي.. ولمن لا يتخيَّل ذلك المشهد ولمن لا يعرف معالم غرفتي أخبره بأنه بمجرد دلوفه إلى غرفتي سيجد العديد من الأكوام..
فهذا كوم الملابس المنزلية، هذا كوم الملابس الصيفية، ذاك كوم الملابس الشتوية، هنا المعاطف، تلك الأوشحة وذاك الأخير ما هو إلا ملابس زوجي بأنواعها.. وعجبت لأمر خزانتي.. أحقاً تحتوى كل تلك الملابس.. فعلى الرغم من قلة مساحتها إلا أنها تتسع المزيد والمزيد وذلك ما أفعله في كل مرة أرتبها فيها..
فدوماً ما تكون مكتظة وحالما أرتبها أترك دوماً مساحة واضحة من الفراغ.. وهكذا عقلي وتفكيري.. فحينما تشغلني العديد من الأشياء المتشابكة وتراودني العديد من الأمور المختلطة.. والتي تزداد كل يوم عن ذي قبله وحالما أنفرد بحالي وأرتب أفكاري أجد كل شيء يسير كما عقارب الساعة، والتي لا يحق لها التأخر ولو لثانية واحدة.. وسمعتُ اقتراب بضع خطوات.. ترى.. مَن مِن أبنائي لا زال مستيقظاً حتى تلك الساعة المتأخرة من الليل.. فقد تجاوزت منتصف الليل بما يزيد على الساعتين.. لا.. بل لقد شارف الفجر على البزوغ.. وسمعتُ بضع طرقات خافتة على باب غرفتي..
غالي: أمي.. أمي.. أأنت متيقظة يا أمي.. أأستطيع الدخول.
هدى: نعم نعم.. تعالي يا غالي..
غالي: ماذا تفعلين يا أمي.. ظننتك تقرأين أحد الكتب.
هدى: بل أرتب حياتي يا حياتي.. ماذا تريد.. ماذا في يدك.
غالي: عصير مانجو بلا سكر.. كما تحبينه يا أمي.
هدى: تلك رِشوتك المعتادة يا صغيري.. هات ما عندك.
غالي: أمي.. ألن تخلصيني من ذلك الحصار.. متى سأنعم بالحلوى التي تصنعينها.. لقد نسيت طعمها و..
هدى: أخبرني أولاً.. أأنت رجل.. أم مجرد طفل صغير؟
غالي: بل رجل يا أمي.. لِمَ تتساءلين؟
هدى: حسناً.. والرجل يلتزم بما يتفوه به.. ينتبه جيداً للكلمة، للتصرف والموقف قبل أن يصدر عنه.. أليس كذلك؟
غالي: بلى يا أمي.. بلى
هدى: ونحن قد اتفقنا سويا من قبل أن ذلك العقاب لا لشيء وإنما لأنك رجل ناضج وعليك تحمل المسؤولية.
غالي: حسناً.. ولكن..
هدى: يحزنني زفيرك هكذا يا صغيري.. ما أود إخبارك به أننا اتفقنا على الانتهاء من الأسابيع الثلاثة أليس كذلك؟
غالي: لقد مرت عشرة أيام يا أمي.. عشرة أيام كأنها عشرة أعوام.
هدى: وتريد ولو قضمة واحدة من قالب الكيك بالشكولاتة قبل أن ينتهي.. أليس كذلك؟
غالي: بلى يا أمي.. فأنا أعشقها جداً خاصة حينما تضيفين لها تلك الزينة اللامعة وترسمين بخطك الرقيق اسم صاحب العيد ميلاد و.. لي حق في تناول نصيبي منها.. وسأكملها فترة العقاب.. أعدك سأكملها.. فقط سامحيني..
هدى: أتعرف مدى الفرق بين الأكل والحلو؟
غالي: أحيانا ما يكون الأكل حلواً.. وأحياناً مالحاً.. أهذا ما تقصدين؟
هدى: لا.. بل الطعام الذي تقتات عليه هو أكل، الفاكهة أكل وأنواع الشوربة أيضاً أكل، بينما العصائر المصنعة حلواً، الحلويات حلواً، التسالي بأنواعها حلواً يا عزيزي..
غالي: لكن المقرمشات، اللُب والمكسرات مالحة ويحق لي تناولها.. أليس كذلك؟
هدى: لا يا صغيري ليس الأمر كذلك وليته كان كذلك.. هي أيضاً من مشتقات الحلو.. فهناك فرق بين الأكل الأساسي والذي يستحيل الاستغناء عنه، وبين تلك التفاصيل الصغيرة، والتي يمكن الاستغناء عنها بكل سهولة، بل ويمكن التخلي عنها للأبد.. فقط إن أردنا ذلك.
غالي: وماذا بعد يا أمي؟
هدى: ماذا بعد ماذا يا صغيري.. تريد الخلاص.. أليس كذلك.. أستطيع فعله وبمنتهى السهولة صدقني.. فما أسهل أن نجتمع سوياً حول تلك المائدة لنأكل كل ما لذ وطاب، بل إنني أريد انتهاء فترة عقابك بسرعة أكثر منك.. لكنني أربي فيك معنى الالتزام بكلمة بيني وبينك يمكنك كسرها ليلاً دون أن يشعر أحد.. لكني أتركك لضميرك.. أتركك لعهدك معي.. وأتركك لاتفاق رجال صار بيننا.. عموماً لقد عفا الله عما سلف وأريدك من الغد أن..
غالي: لا يا أمي.. سأكملها تلك الفترة.. أستطيع التخلي عن إغراء الحلوى لي.. فقط للحفاظ على اتفاقنا.
هدى: أهذا قرارك الأخير يا ولدي؟
غالي: نعم.. نعم يا أمي.. قراري الأخير ولا رجعة لي فيه.. لقد تجاوزت فترة الدلال وأريد أن أصبح من معشر الرجال.
هدى: حسناً يا ولدي.. لك ما تريد.
غالي: تصبحين على خير يا أمي.. بل تصبحين على حلو الخير..
تركت غرفة أمي وأنا في قرارة نفسي أشعر بشيء غريب لم أشعر به من قبل قط.. فقد دلفتها مطأطئ الرأس وأخشى من الخوض مجدداً في نقاش منعي من الحلوى، لكنني خرجت منها وكلي فخر بقراري..
شعرتُ لوهلة أنني تسرعتُ في قراري هذا، لكنني أيقنت أنه القرار الصائب.. أهكذا إذا.. أتكون حياتنا مفعمة بالإغراءات ولا يُسمح لنا إلا بأخذ ما يصلح لنا..
نعم، إنها وباختصار شديد كسفينة ضخمة تحملنا على ألواح قراراتنا.. دفتها الحكمة ومرساها الإصرار بينما الأمواج فهي بالرغم من اختلافها ما بين الهادئ والصاخب إلا أنها لن تعطينا أكثر من قيمتنا التي نكِنها لأنفسنا.. تعطينا قيمه الاتفاق ما بين بعضنا البعض خاصة وإن كان اتفاق رجال.
النهاية
اقرأ أيضاً
- تعرف على إنجازات "أندوني زوبيزاريتا أوريتا" حتى الآن
- ما هي حقيقة الزمن؟ وما هي أنواعه؟
احسنت
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.