توقفت السيارة عند إشارة المرور، وإذ بطفل يحمل وردًا أبيض وأحمر يناشد من أجل أن نشتري وردة، لم أتمالك نفسي من فرط حبي للورد عمومًا.
أما أختي كعادتها الطيبة لا ترد سائلًا؛ لذا أعطته ما استطاعت، ولم تكن تريد منه شيئًا، لكن لم أستطع أن أمنع نفسي من الحصول على الوردتين، وهذا من حسن حظي.
توقعت أن يعطيني الطفل وردةً واحدة لقاء النقود، لكنه أعطاني الاثنتين.
حاولت جاهدة أن أعثر على الطفل لأعطيه مزيدًا من المال، لكنه اختفى، ولم أستطع أن أجده؛ لأن إشارة المرور أضاءت باللون الأخضر؛ لتفسح الطريق للسيارة بالسير مرة أخرى.
لم تكن سوى لحظات، توقف بي الزمن والعمر في هذه اللحظة، وأدركت أنني حصلت على سعادة غامرة من لحظة عابرة.
كدت أطير فرحًا وأنا أشم الوردتين، وأحتضنهما كأنهما طفلتاي.
ظللت أفكر طوال الطريق: ما هذا الشعور الذي شعرت به؟ لماذا هذه الفرحة التي انتابتني لحصولي على وردتين؟
أعلم من صغري أني أحب الورود بأنواعها وألوانها كافة.
أتذكر وأنا ذاهبة إلى المدرسة في مراحلي المتقدمة من عمري أنني أحب الورود.
كان في طريق المدرسة بستانٌ على الطريق مُمتلِئ بالورد الجوري الأبيض والأصفر والأحمر المخملي.
كنت أشعر دائمًا أنني أريد قضاء وقتي كله هناك، وكان يؤلمني قطفه؛ لأنني أعلم أنه سيذبل، لكن ما كان يعزيني أن الرائحة العطرة تبقى بها ما بقيت.
في كل صباح كنت أقطف زهرة، وآخذها معي إلى البيت؛ لأضعها في بعض الماء بالسكر؛ ليطول عمرها، وأقلمها كل يوم لتبقى أكثر، لكن مع مرور الوقت كانت تفقد الحياة، فأضعها داخل دفتري لتبقى ذكرى.
كان يبهرني تألق الورود وجمالها الأخاذ بعودها الأخضر اليانع، على الرغم من الأشواك التي كانت على الساق، وعلى الرغم من الجروح التي كانت تملأ يدي، لكن ذلك لم يمنعني من قطف الورد، ولا التوقف عن حبه والافتتان به.
كنا نتنقل كثيرًا من مدينة إلى أخرى، ومن بيتٍ إلى آخر، وفي كل مرة يكون البيت بحديقة منزلية يوجد فيها ورد مختلف، وهذا ما عزز حبي وشغفي الدائم بالورد.
كبرت قليلًا وحبي للورد لم يتوقف يومًا، بل ازداد، وصار طموحي يغلبني في الحصول على الورد يوميًا أو بانتظام، لكن لم أستطع الحصول عليه كثيرًا نظرًا لتغير البيئة التي أعيش فيها.
لكني كنت أنتهز الفرص التي تمكنني من الحصول على وردة، وكنت أحيانًا اقطف الياسمين من شجيرات التي في الطرقات.
فأنا أحب كل ما له رائحة جميلة طبيعية، فهذا يشعرني بالراحة والاسترخاء والهدوء.
وددت لو أنني أستطيع أن أزرع بستان وردٍ جوري مخملي بألوانه الأبيض والأصفر والأحمر الخلاب مع بعض الزهور الوردية ذات الرائحة العطرة.
وددت أحيانًا لو أهداني أحدهم وردًا كثيرًا أو أهداني بستانًا أعيش في ظلاله ما تبقى من عمري.
سيظن البعض أن ما أشعر به نوع من التفاهة أو الرفاهية، لكن لا يهمني ما يشعر به الآخرون تجاه عشقي الورد.
أشعر بالألفة عندما أحتضن وردة جورية، أشعر أنها صديقتي، أحادثها أحيانًا كأنها صديقتي المقربة، فهي لن تبوح بأسراري إلى أحد، ولن تلومني على أخطائي.
أحيانًا ينتابني شعور بالغرابة لدى الأشخاص الذين لا يقدرون قيمة الورد وجماله، ويتعاملون معه بالإهمال وعدم المبالاة، كأنه شيء عادي، يتجاوزه دون أدنى اهتمام، ولا ألومهم، فأنا أعرف تمام المعرفة أنني مختلفة، وأحب اختلافي هذا؛ لأنه يمنحني تميزًا.
فكما لكل محب حبيب، ولكل مهتم شيء يهتم به، ولكل عشاق ما يعشقونه، فأنا أنفرد بحبي الشديد للورد كحب عشاق القهوة لرائحتها ومذاقها، فهي تمنحهم الشعور بالرضا التام، وتزيد من هرمون السيروتونين أو الهرمون المسؤول عن السعادة.
كذلك يعطيني الورد الرضا النفسي، فهو يساعدني على إضفاء بعض الإشراق على بشرتي، ويضيف كثيرًا لبعض استخداماتي لوصفات التجميل الخاصة بي، فالورد له فوائد غنية، وله مظهر جذاب ورائحة عطرة.
عندما أحضر بعض وصفات العناية وأضيف بعض الورد، أشعر أنني مختلفة ومتألقة.
عندما أتذكر الباعة الذين يتعاملون مع الورد على أنه سلعة من أجل كسب المال والرزق، أقول لنفسي: كيف سيصل إليّ هذا الورد؟ وكيف سأحصل عليه لو لم يتعاملوا معه على أنه سلعة؟
لو أمتلك بستانًا من الورد لن أبيعه لمن لا يعرف قيمته، لكني سأهديه لمن يحبه ويعتني به ويقدر قيمته.
أن أحصل على وردة خير من أن أحصل على قطعة ذهب أو مال، فلا توجد هدية أثمن لي من وردة تبعث الراحة والهدوء في حياتي.
أشكر الله دائمًا أن خلق الورد؛ ليضفي حياة إلى حياتي، وتألقًا على محياي.
ولا يسعني إلا أن أقول: إن عشق الورد نابع من فرط حساسية الشخص، وتمتعه برقة في المشاعر وقلب نابض بحسٍ مرهف.
تلك القلوب نقية كنقاء الورد وعطرة كعبيره.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.