قصة "أنا هي المغتصبة".. قصص حزينة

القاعة مكتظة بالجماهير، والقاضي وحلفاؤه ممتعضين من قضيتي، هنالك في الزاوية يقعد أبي منحني الرأس، والهوان واضح على محيَّاه، تِلك المرأة التي أكل الْهمُّ نصف جمالها مختبئة خلف لحاف أسود كأنها أقامت حدادًا أبديًا معي.

هنالك إخوتي الرّجال الثّائرين من وضعيتي، أو بالأحرى يخجلون من مصيبتي، الّتي لا ذنب لي فيها.

على السّاعة التّاسعة ونصف رفعت الجلسة.

القاضي يدقّ ليعمّ الصّمتُ الأجواءَ.

نظر إليّ نظرة الذّئب عندما يبحث عن فريسته، وكلّ الأعين تراقبني خلسة وتشتمني بداخلها أعلم هذا.

لكن هل يعلمون مَا أمر به وما أشعر به وما أنا بصدد الإقبال عليه؟ كم بكيت؟ كم توجعت كم اتهمت وكم نبذت؟ لا وألف لا، هم فقط بارعون في إدانتي، كالسيوف الحادة يقطعونني إربًا إربًا، على موائدهم يأكل عرضي بلا حياء، ويطعن شرفي دون استحياء، تلك المغتصبة.

آه نعم، وأصرخ بكلِّ قوَّتي وأقول أَنا المغتصبة.

القاضي: أيَّتها المغتصبة مَا هو التَّعويضُ الّذي تطالبين به؟

المغتصبة: أنا يا سيدي، لا أريد سجنًا؛ لأنه لا يعوضني، ولا أريد زواجًا؛ لأنه سيقتلني أكثر وأكثر، ولا تعويضًا ماديًا ليشتري بكرتي المصطنعة، بل أريد شيئًا يدافع عنّي كامرأة لا تريد أن تخدش ولا أن تمس ولا أن تطمع فيها الوحوش، ولا تكون متصدرة في مجالس النميمة.

أريد أن أرتاح من تلك الآثار التي وشمتني بالعار، أريد أن أتخلّص من ذاك الكابوس الذي لا ينتهي، أريد أن أعود تلك الفتاة المدلّلة عند عائلتي، الفتاة البريئة في حيّي، أن أكون حلم كل رجل بالزواج.

أخاف يا سيدي أن يحكم علي بالقصاص أمام المجتمع، أن يضعوني في خانة الهوامش في رفوف معلقة بين ملفات الحوادث، لا يسمع صوتي ولا يبالي لوجودي أحد، لأغدو عارية الروح والجسد كالجيفة لا أحد يشتهي التقرب منها.

القاضي: أيّتها المغـ... عفوًا، أقصد يا فتاة.

الجماهير بكل قوتهم يصرخون إنها ليست فتـ...

القاضي: هدوء.

أنا أبكي صمتًا.

القاضي: لا يمكنني أن أمنحك ما طلبته يا... أنا لست سيدًا على عقل أحد ولا على قلب أحد الكل حر في ما يقول وفي ما يختار، أنا فقط أحكم وفقًا للمادة المتفق عليها على حسب القضية والحدث، آسف لك يا...

أنا: إذن حقوقي مغدورة وشرفي مباح وجسدي دوره فقط إرضاء الغرائز، لا حق لي في الإنسانية، شكرًا لك أيّتها العدالة.

الجماهير: اصمتي أيّتها... أنت خطيئة لا يمكن غفرانها لو تسترت... لو اختبأت ببيتك... لو لم تشتغلي... لو لم تتأخري... لو لم تطالبي بالحرية... لو ولو ولو... كل حسب رأيه.

القاضي: أيها المغتصب ما قولك وبمَ تدافع عن نفسك؟

المغتصب: والله يا سيدي، ويشهد الله علي لم أكن في وعيي، كنت سكرانًا إنّها فعلة الشيطان وليست فعلتي.

الجماهير: الحق له الحق له الحق له، هي من أثارت غريزته بجسدها المكشوف العاري.

أنا: لم أكن عارية، ولم أكن مثيرة بل كنت منهمكة من معركة الحياة، وجاء هو ودشن على أرضي موطنه عنوة.

القاضي: صمت صمت صمت (تشاور مع مستشاريه لمدة ربع ساعة وعاد ومعه القرار).

حكمت المحكمة لـ...  بالسجن للمغتصب مدة 6 أشهر حكمًا نافذًا وتعويضًا مادِيًّا قيمته... 

الجماهير: لا تستحق كل هذا تلك الملعونة الويل لكم الويل لكم. 

أنا لم أفرح ولم أبدِ أيّة ردّة فعل، كل ما كان هاجسي آنذاك هو رؤية عائلتي لي. 

العائلتين: خرجوا دون الالتفات لي أو حتى إبداء برأيهم على حكم قضيتي، اكتفوا بتلك النظرة الشزراء وبصمت الأموات تركوني. 

أنا خرجت من ذاك المكان بلا هوية ولا موطن وبلا مأوى، فأنا منذ ذلك الحادث المفاجئ أصبحت المغتصبة. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

لقد دفعتني لقراءة قصة يا استاذة نجوى، وانا أراها خاطرة اكثر من قصة لأنك مثلتي وشعرتي ووضعتي نفسك مكان الفتاة المسكينة هذه التي لم يكن ذنبها ولا بيديها حيلة (انا احب القصص والخواطر بشكل لا يوصف)
اولا سرد ما شاء الله رائع.. لا يمل منه ابدا بل مشوق..
ثانيا مشاعر انسانية بامتياز..
ثالثا وصف دقيق لحالتي المغتصب و المغتصبة..
رابعا احببت طريقة تدخيل الاقاويل هذه ولو كانت مزعجة لكنها فعلا حقيقية ولن نتخلص منها او نُسلم منها وكأننا نعيش الحياة على هواهم..
رائعة يا اخت نجوى لم ولن أندم اني تابعت حسابك
بالتوفيق المستمر والابداع والتألق معاً ان شاء الله ❤️
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا لك بحجم السماء على هالكلمات الرائعة وأنا جد سعيدة بأن أسلوبي بالكتابة نال إعجابك وراقك وتشرفت بأنني أضفت قارئة مميزة مثلك إلى قائمة قرائي أنا حقا سعيدة بوجودك هنا في عالمي الخاص 😍😍😍😍😍
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مؤثر جدا اسلوبك هزني حقيقة موفقة أن شاءالله 💗
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا من القلب عزيزتي سعدت بذلك
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة