أنا محظوظٌ منذ نعومة أظافري، ولدت في شهر أكتوبر، عندما ولدت أصبت بداء الحمى وأخبرهم الطبيب أني ميت، فلا داعي أن أكتب في دفتر المواليد والوفيات في آنٍ واحد.
وبعد ما عشت أيامًا عجاف لم تنتهِ، أصبحت من مواليد شهر ديسمبر، وكان الجميع يقرأون على وجهي علامات غرائز شريرة، وكأنني السبب في انتشار الطاعون، أو أنني السبب في تدمير اليابان، وأنني السبب في انتحار فان جوخ.
كنتُ خجولًا فاتهموني بالمكر، فأصبحت كتومًا لا أتكلم، لم يكن هناك من يعطف عليَّ أبدًا بل كانوا جميعًا يؤذونني فأصحبت حقودًا يحب الانتقام، كنت حزين النفس، وكان الأطفال الآخرون فرحين هدارين، وكنت مهيأ لأن أحب الناس فلم يفهمني أحد، فتعلمت الكره.
لم يكن شبابي الخالي من الفرح الا صراعًا مع الناس ومع نفسي خوفًا من الهواء دفنت أنبل عواطفي في أعماق قلبي فماتت كلها هناك، وكنت أحب أن أقول الحقيقة، فلم يصدقني أحد، وبعدما كرهت كل شيء حولي أصبحت بارعًا في فن الحياة، ولاحظت أن غيري ممن لا يملكون هذا الفن كانوا سعداء ينعمون من غير جهد بهذه الخيرات، التي كنت أجهد للحصول عليها.
أنا الغريب المعتوه، الذي يعتبره الجميع منبوذ، أنا الذي أتبع الشياطين والأفكار البائسة، أنا الكئيب المتفائل، أنا الذي يعطي النصائح للآخرين ولم يجد شخص يقوم بنصيحته، أنا السيئ المحبوب، والقبيح الجميل، أنا المتناقض، أنا الذي يمتنع تجار الدين عن مرافقته، أنا سرطان البشرية الذي لم يجدوا له علاج.
حتى أمي دائمًا ما تظن أنني لا أتأثر كبقية إخوتي والأقسى قلبًا وأقلهم إحسانًا بها والحقيقة هي عكس ذلك تمامًا، كنتُ أريد أن أكون كتومًا فحسب، ربنا لو أدركتِ يا أمي أيامي هذه لكنتِ تدركين أنني أضعفهم جميعًا وأحوجهم للشكوى والاستناد، ولكنني لا أريد أن أكشف عورة حزني لأحد مرة أخرى.
لا أريد منكم شيئًا، لم يتحملني سوى غرفتي ومذكراتي، وأيضًا وسادتي قد تحملوني كثيرًا، لطالما كانت غرفتي الوحيدة التي ترى ضعفي وتسمع صرخاتي ليلًا حين ينام الجميع، ومذكراتي لطالما تحملت كتاباتي السخيفة في وقت حزني، سأريحكم جميعًا من هذا العناء.
أجلس متكئًا على كرسي محنيّ الظهر مهزومًا، أمام ساعتي منذ مئة وثمانين دقيقة شارد بعقاربها، دقات قلبي تتباطأ وكأن خنجرًا قد شقه، وأنفاسي تئن ألمًا كلما طالت رئتاي، وعقلي يصرخ استنجادًا من أفكارٍ بشعة استولت عليه، كأنها النهاية تحفر في نفسي بأظافر كريهة ملوثة، تخبرني بأن ما مر كان مرًا، وما تبقى أكثر مرارةً.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.