تُعد قصص الأطفال أكثر من مجرد تسلية قبل النوم؛ فهي الأداة الأقوى في بناء الشخصية وغرس القيم والمبادئ. يبحث الآباء دائمًا عن قصص تربوية هادفة تساعد الصغار على فهم معاني الأمانة والإخلاص في العمل، بعيدًا عن ضجيج الألقاب الزائفة.
في هذا المقال، نستعرض واحدة من أجمل حكايات الأطفال، وهي قصة «الحمار الذي يصيح». تأخذنا هذه الحكاية في رحلة داخل الغابة لنتعلم دروسًا في الأخلاق، ونعرف لماذا تُعتبر قصص الحيوانات وسيلة مثالية لتعليم الأطفال الفرق بين الثقة بالنفس والغرور، وكيف يكتشف الإنسان هويته الحقيقية بعيدًا عن التزييف.
لكل مهنة روحها الخاصة، وسماتها التي تميزها، فليس كل من مارس عملًا أتقنه، ولا كل من شغل موقعًا استحقه. إن الأعمال ليست مجرد ألقاب تُحمل، بل مسؤوليات تُجسَّد، وقيم تُعاش في سلوك أصاحبها؛ فالمعلم بصفته صانع العقول وباني الأجيال، لزام عليه أن يتحلى بالحكمة التي تهديه في المواقف، والصبر الذي يعينه على اختلاف الطبائع، وسعة الاطلاع والقدرة على الإقناع.
والطبيب يحمل أمانة الحياة؛ لذلك لا بد أن يجمع بين الرحمة التي تخفف آلام المرضى، والدقة التي تحميهم من الخطأ، والعلم الذي يضمن سلامة قراره. فالطب ليس مهنة فقط، بل رسالة إنسانية في أسمى صورها.
وفي عالم الإعلام، يقف المذيع في موقع بالغ الحساسية، فهو مرآة للأحداث، ولا يقتصر دوره على نقل الخبر، بل يتجاوزه إلى تشكيل الوعي وصناعة الرأي؛ ولهذا يجب أن يكون مثقفًا واسع المعرفة، قادرًا على إدارة الحوار بثقة واتزان، وأن يمتلك أسلوبًا جذابًا وصوتًا مؤثرًا يشد انتباه الجمهور. فالمذيع الناجح لا يُسمع فقط، بل يُصغى إليه بإعجاب واقتناع.
كنت أجلس إلى نفسي، فتذكَّرت قصة «الحمار الذي يصيح»، فأخذتها من بين رفوف المكتبة، وجلست أحكيها لابني الصغير قائلة له:
ذات يوم غاب الأسد عن الغابة لأنه كان مريضًا، فوقف الحمار على ربوة بوسط الغابة، ممسكًا بمكبر الصوت قائلًا: من الآن فصاعدًا أنتم لي ستصغون، ولكلامي ترددون، سأعمل من الآن مذيعًا، فأنا صوتي جميل، ولديَّ من العلم الكثير، وسأعبر عن وجهة نظري، وعن رأي باقي الحمير، فنهيقي مثير!
وهكذا استغل الحمار غياب الأسد عن القطيع، فأعلن عصيانه، وأخذ بصوته يصرخ ويذيع، وخلفه باقي الحمير يدعمون كلامه الفظيع.. ويا للعجب.. فمن أمن العقاب أساء الأدب.
وما بين صمت وجدال، تغيَّرت الأحوال، وتحوَّلت الغابة إلى مرعى للإهمال، وكل فصيل من الحيوانات بات في حال، وأعلن الجميع عصيانهم ورفضهم للأوضاع عدا قطيع الحمير.
وهنا خرج الأسد من عرينه، ورغم مرضه وجسده الهزيل، وقف بهيئته، شامخًا كعادته، وسأل الحمار: من أقنعك بعذب صوتك؟ وبأي حق تغني وتُنهق؟ وكيف أنت ملك الغابة؟ وأنت تخشى حتى الذبابة؟
ولم يجد الأسد لسؤاله جوابًا، وهنا أفاق الحمار من غيبوبة غروره وعناده، وقال للأسد: أقراني يصفقون، وبغنائي يرحبون، فأنا الحمار الأديب، وصوتي لآذانهم قريب.
وهكذا كانت العُهدة على الحلفاء، من أقنعوه بأن غباءه ذكاء، وأن صوته زئير، وأنه يصلح مذيعًا بالنفير.. إنه زمن التلميع بصوره المتعددة، كلما زاد التصفيق تعلو رؤوس الرويبضة!
نظر الأسد إلى الحمار المغرور، مُتعصبًا من كلامه المأثور. وكان أمام الحمير مائدة مستديرة، وعليها اصطفت أطباق مُثيرة. فسأله الأسد: أنا لا أرى أمامكم عشبًا أو بقولًا؟ فماذا تأكلون؟ هل هناك ما تقول؟
فرد الحمار عليه: ان الدجاج طعامنا، والفول لا يروق لنا!
فسأله الأسد في ذهول: أهل حقًا ما تقول؟ طعامكم ليس البقول؟
أمر الأسد القرد أن يأتي له بدجاجة، وأن يأكلها الحمار أمامه ولا يبقي بها حاجة.
وهنا وقف الحمار طويلًا ينتظر، ناظرًا إلى الأسد وبطنه تعتصر.
وبصوت أجش زأر الأسد، فدخل الحمار العش، يجري وأمامه الدجاجة، وبيده عليها يهُش!
لم يستطع الحمار أن يتناول الدجاجة، فقال بصوت نهيقه بلباقة: يا أسد الغابة إني أعتذر.. فأنا حمار.. ولا أهوى الخطر!
هرب الحمار ومعه باقي القطيع، من أمام الأسد في خوف مريع.
وأدرك الحمار وقتها أنه ليس مذيعًا، وأن صوته ليس إلا نهيقًا فظيعًا! وأدرك أنه لا يصلح للقيادة، فأماء برأسه للأرض، وعيونه على العشب الممتد، وعرف أن هذا مصير من أراد لهويته التغيير، ومن رأى في نفسه بغروره ما ليس فيه.
وهكذا يا أطفال، نتعلم أن الرأي الصائب لا يُقاس بعلوِّ الصوت، وأن الصراخ لا يجعل الكلام أقوى ولا أصدق، فالقوة الحقيقية ليست في الضجيج، بل في الهدوء والثقة والحكمة، والإنسان القوي هو من يعرف ماذا يقول، ومتى يقول، وكيف يقول، ويستطيع أن يملك نفسه عند الغضب، فيحفظ لسانه، ويعبِّر عن رأيه بأدب ووعي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.