قصة "أحجية بائع الترمس".. قصة قصيرة

كنت طفلَا صغيرًا يحيا بقلب بريء يسعى ويركض خلف كل أشكال السعادةK وكانت تلك السعادة بالنسبة لطفلٍ في الخامسة من عمره هي بعض الحلوى أو الترمس أو بعض القصص والنكات التي كان يسردها ذلك الرجل العجوز الذي يبيعنا الترمس بقطع نقدية أو بمقايضة بحبوب القمح أو الذرة وكان من العجيب أنه يبيعنا الترمس بـ"الألغاز"!

نعم، كان يفعل ذلك يطرح علينا الألغاز ويطلب منّا حلًا لها ومن يستطيع أن يجد الإجابة يأخذ الترمس بالمجان، وحينما سمعت صوته الجهور القوي رغم جسده الهزيل يصيح يهز أرجاء القرية مناديًا يعرض بضاعته:

"ترررررررمس"

يرددها مكررً لحرف الراء بنفس طويل، يتبع ذلك الصوت صليل أبواب البيوت ويخرج منها الأطفال الذين تغمرهم السعادة بمجيء سبب من أسبابها، صليل الأبواب يتسابق مع صوت خطوات الطفولة التي تركض على طريق الفرح والسرور لتلحق بذلك المهرجان اليومي، تجمع الأطفال حول بائع الترمس وراح يدنو منهم واحدًا تلو الآخر ليعرف إجابة اللغز السابق، فيعطي من أجاب المكافأة ويعطي الآخرين بالمقايضة، ولأن قريتنا من قرى الصعيد التي تحيا بالزراعة كان الجميع يعتمد على المقايضة ويجعل حل اللغز عبارة عن تزويد لدخله من الترمس، فقال الرجل العجوز بلدغة في حرف السين لعدم وجود أسنان فكه العلوي:

حسنًا يا أبنائي لقد أجبتم جميعكم اللغز السابق وإن كان هذا يدل على أنكم جميعكم اعتمد على جداتكم في حله،  لكن هذا لا يمنعكم من أخذ المكافأة.

ابتسم وهو يغرف بيديه المرتعشتين الترمس ويوزعه علينا وهو يقول:

اليوم سيكون سؤالًا صعبًا حتى لا أخسر بضاعتي لكم أيها الدهاة.

ثم أخذ قليلًا من البرسيم كان قد وضعه في جراب تحت زكيبتان الترمس التي يحملهما حماره، ويضعه أمام الحمار ليأكل فيهز رأسه كأنه يشكره، وكان من الغريب أن حماره عجوز كرفيق دربه، بدأ يقص علينا قصص من قصص كليلة ودمنة، ثم قال:

اللغز هو "شيئان لا يجوز للرجل أن يبيعهما"

فبدأنا نصيح ببعض التخمينات:

الماء والهواء - الأم والأب - الأخ والأخت....

وتوالت تخميناتنا لكنه ابتسم وقال:

لا لم يجب أحد منكم من يجيب غدًا يأخذ المكافأة بالضعف.

وأخذ لجام حماره وسار في طرقات القرية وافترقنا لنبحث عن إجابة السؤال وافترق عنًا صوته مبتعدً حتى اختفى.

ذهبت لجدتي وسألتها لكن رأيت ملامح وجهها ثم ابتسمت وقالت:

لا أدري

فذهبت لجار لنا فأجاب بنفس اجابتها فرأيت أن الجميع يهرب من ذلك السؤال، فزاد فضولي لمعرفة ذلك الحل، ومر النهار وأتى الليل يفرد ستائره وقصت عليّ جدتي قصص من الأساطير ومن الواقع الماضي، ونمت وجاء الصباح وأنا أفكر في نفس اللغز، فقمت وانتظرت سماع الصوت المعهود فأتى فانتفضت فرائصي، وصلصلت الأبواب وابتسم الرجل بثقة وقال:

اليوم لن يجيبني أحد

فقلت بشغف:

لا أريد المكافأة لكن أريد أن أعرف الإجابة

فقال بابتسامة وهو يغرف من الزكيبة ترمس ويوزع علينا:

مكافأتكم ليست لإجاباتكم مكافأتكم لسعيكم للمعرفة، أمّا الإجابة فهي "الدار والقبر"

ولم يُفصّل تلك الكلمات المجملة وذهب بحماره لكننا انتظرناه على اعتاب البيوت لأيام متوالية لكنه لم يرجع، فتذكرت أنه لم يطرح لغزًا في ذلك اليوم، فسألت جدتي والكبار عنه لكن لم يجيبني أحد ومع الأيام علمت أنه مرض ومات بعد شهر من ذلك اليوم فحزنت كثيرًا عليه، وها أنا أضيف لعمري عشرين عامًا وما زال اللغز وحله يطارداني إلى الآن، فلم أعرف حتى الآن لماذا لا يباع الدار والقبر...

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة