قصة "آخر سيجارة".. قصص قصيرة

كثيرة هي الأشياء التي لا تدم طويلاً وتتبخر مثل الفقاقيع، فلو تأملت أقوال الناس ومكرهم وجدته سريع الزّوال، وأن الكثير من المعلومات خاطئة ومبالغ في إيصالها، فلا تعدو أن تكون زوبعة في فنجان. 

وهذا شر مستطير اسمه السيجارة، تزعج شاربها وكل من مر جنبها، لكن هذا الجندي استطاع أن يحاربها وانتصر عليها وتجنبها: 

هو الجندي أحمد، وسخاؤه لا ينفذ، كان يتيم الأب فاستغله بعض أقاربه فرعى لهم أنعامهم؛ وهو راع تآلف مع الغنم وتآلفت معه، فرحمها وهنئت برعيه، لقد برع في رعايتها وضمن قوت يومه لدى كفيله، عانق أشجار الغابة فكان يتأقلم مع مزاج الطبيعة المتقلب: في الشتاء يقاوم البرد القاسي ويحنو على الغنم ويجلب لها متاعها، وإذا اهتزت الروابي واخضرت كُشِفت محاسنها، فينادي أحمد غنمه قائلاً:

يا غنم اغنمي..

في الرُّبى تنعّمي..

تنعّمي واحتمي..

فوق المقام السّامي..

كان له صديق راع مثله، يجتمعان ويلتقيان في الجبل فيتناسا الاثنان قساوة العيش وشقاء الفجج التي يسلكانها. صديقه اسمه إدريس، عبد تعيس، يعشق لفافة التبغ ويتقاسمها مع صديقه أحمد؛ هذا الأخير ذاق طعمها وتلذذت بها شفتاه، وكلما حاول هجرها وجد من يعيده إليها. يُعذر الشاب عن طيشه، فأحمد للتو مضت عشرون سنة من عمره، وقرر هجر الغنم والجبال المكللة بالورق الأخضر. سيترك صخب الطبيعة وتسابيح الطيور، فلقد تلقى دعوة من أحد المسؤولين ليلتحق بالجندية.

كانت الحرب آنذاك تتقد في الحدود الجنوبية، وقد سمع الكثير عن أخبار الجنود والموت المُرعب، ثم إنه رأى وجوهاً تموت موتاً مرعباً وتذبل لأن أصحابها تدخن فترى أفواههم مسودة كمخرج المدفأة، كيف له أن يخرج من سجنين سالماً!

أصبح سجين السِّيجارة، وسيسجن في الصحراء حيث سيحمي الحدود هو وباقي الجنود.

تشاور مع أمه وأخته التي كانت حديثة عهد بالزواج، ثم تحدث مع صديقه خليل اللفافة، قائلاً:

آن أوان توديعك، رعي مال الناس لم يعد يروقني، أريد أن أنظم إلى قافلة الجنود المرابطين في الحديد.

بوجه الأسى عانقه إدريس وقال:

أما أنا فلا يروقني فراقك، ولكنها الأقدار، إذا كُتبت عليك تلك الخُطى ستخطو الكثبان الرملية الصحراوية، بمساعدة المسؤول الإداري عن التجنيد، جهز الوثائق المطلوبة ووقف أمام أهل الدرجات الرفيعة والبزّات المزركش؛ نجح في كل اختبارات ولوج القوات المسلحة الملكية.

استراح بعدها وأخرج لفافة من علبة السيجارة؛ تطاير الدخان من فمه وساح مع فكره محاولاً تقوية فهمه لعله يستطيع الخروج من قفص التبغ المُهلك.

ولأنها كانت حقبة الانقلابات والاغتيالات، كانت الشاحنات التي تقيل الجنود شاحبة رغم لونها المائل إلى الخضرة، صعد أحمد وباقي الفريق إحدى الشاحنات العسكرية، وبدأت رحلته الصحراوية، أدرك أنه عليهم كجنود جدد أن يتدربوا شهوراً عدة قبل حمل السلاح والارتماء فوق الرّمال الذهبية.

مرَّت فترة التدريبات بسلام، وتمكن أحمد من إطلاق الرصاص بمهارة، اندمج مع بروتوكولات الجيش ذي البدلة الخضراء والحذاء الأسود البراق.

كان راتب الجندي في تلك الحقبة زاهداً؛ سبعينات القرن العشرين عان فيها الأبطال المرابطين في الجبهات لحماية الوطن من كيد الشياطين، في أحد الأقاليم الصحراوية النائية هناك رابطة فرقة أحمد الباسل.

وحان موعد العيد، ففرح وجهز حقيبته ليزور حبيبته، الأم الحنون والأخت وزوجها، بعد شقاء السفر حل أخيراً ضيفاً عزيزاً على أهله؛ طرق الباب ليلاً والقرية نائمة عدا كلب أهله الذي عانقه كأنه صاحبه، نهض زوج الأخت من فراشه وهو يقول:

لحظة، من الطَّارِق؟

فأجابه: طارق خير فافتح الباب.

فُتح الباب فاستغرب زوج الأخت وتدفقت من عينيه دمعات الفرح، وبفم الدهشة سأله:

-أحمد، ما بال كلبنا؟ ألم يقرب إليك أو ينقض عليك كيف نجوت منه؟

- قصدك هذا؟

- نعم!

- أما ترى أنه عانقني عناق الأحبة؟

- يا إلهي، إنه لا زال يتذكر رحمتك، من لا يَرحم لا يُرحم.

- أتذكر أنني كنت أُطعمه قبل التحاقي بالجيش، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

- تفضل فلقد أبكانا فراقك أنا وأختك وأمك قبل مجيئك مرّات عديدة.

استراح أحمد وأزال عنه الحذاء العسكري المُغبّر والبذلة المثقلة بحبات الرمال الذهبية، في الصباح وهم يتناولون وجبة الفطور أخرج إليهم علبة صغيرة تحوي العنبر، تلك الحبوب النادرة والعطرة، شربوه من بعد ما مزجوه بالشاي فتنسموا به وتناسوا وجع الغربة.

جال تلك الأيام في البلدة مسترجعاً خيط الذكريات الجبلية؛ تنزه بحرية رغم شربه دخان التبغ من حين لآخر، كان يحس بوخز الضمير وأنه من الأفضل له الإقلاع عن عادته السيئة، يحتاج دعماً معنوياً للمضي قُدماً في تطهير جسده من النيكوتين، يلزمه العزم القلبي والرغبة القوية للنجاة من آفات الدخان.

لم يطل كثيراً، ما أن عاد إلى عمله حتى قرر الإقلاع عن التدخين، وضعها تحترق لوحدها، نظر في وجه صديقه قائلاً: آخر سيجارة.

ومنذ ذلك الحين لم تستنشق رئتاه دخان الخسارة، تحسنت حالته الصحية وزادت بشاشته الإنسية وزالت هشاشته النّفسية.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة