قصة"من تركَ ملَك".. قصة قصيرة

سأل المتعلم شيخه: "كيف تبردُ نار النفس"؟

قال: بالاستغناء، استغنِ يا ولدي فمن تَركَ مَلَكْ.

قال المتعلم: وماذا عن البشر؟

قال الشيخ: هم صنفان من أراد منهم هجرك وجد في ثقب الباب مخرجاً، ومن أراد ودّك ثقب في الصخرة مدخلاً.

قال المتعلم: والسّبيل إلى الله؟

قال الشيخ: العيش في سبيل الله أشد ألماً من الموت في سبيله، أنت تموت للحظات أو دقائق معدودات لتنتقل إلى ملكوته فتفرح، أمّا أن تعيش في سبيله وأنت تسير معاكسًا للحشود السائرة إلى هاويتها فذلك هو الجهاد العظيم.

توقفت كثيرًا أمام العبارة (من تَركَ مَلَكْ) ارتباط الترك بالامتلاك لم يكُن من المفاهيم الحاضرة أمام الوعي الجمعيّ، والكم الهائل من المحفزات التي تخالف هذا المفهوم وتعارضه! 

ومن اللافت جدًا كيف أن الكثير من المفاهيم تبدّلت وأخذت منحنى يخالف اعتقادات كان لا بد وأن تكون في الوجدان! 

ولو عرفنا الله باسمه الغنيّ لتجلى المعنى! 

يقول الشيخ إبراهيم أيوب في شرحه لاسم الله الغنيّ:

مفهوم الغنى من المفاهيم التي شوّهت ولوّثت وابتعدت عن الحقيقة.

وإذا أردنا معرفة دلالة اسم الله الغنيّ لن نحسن تلك المعرفة إلّا من خلال آياته ووصفه عن نفسه تعالى: فقد قال: (وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم) هنا نفهم الاستغناء.

وبقوله: (اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض) نفهم الملك. 

وبقوله: (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله غني حميد) نفهم كيف أن كلّ أحد يحتاج إليه وهو لا يحتاج لأحد. 

يكون الترك غنى مع فكّ الارتباط وفك التعلُّق فكلّما ارتبط العبد بالله وافتقر إليه استغنى عن النّاس وشعر بغنى الله. 

اليقين الذي يجب أن يثبت في قلوبنا أنه كلّما تكلّم النّاس في الندرة تأكّد المؤمن أن الله هو الغنيّ.

وكلّما تكلّم النّاس في الاحتمالات تيقّن المؤمن أن الله هو الغنيّ.

يتجلّى مستوى الغنى الإلهيّ في الحديث الشريف (لو أن إنسكم وجنكم... ما نقص ذلك من ملكه شيء).

لا شيء أعظم من ترك كلّ شيء لمن لا ينقص من ملكه شيء!

لذلك التخلق باسم الله الغنيّ يعني التعلُّق به والاعتماد عليه.

ويعني فكّ التعلُّق بالأشياء والبشر والإفاضة بكلّ غنى وهبة من الله لك من قدرات ومواهب. 

من ترك ملك يعني تخفيف المصالح المشتركة مع الغير قدر الإمكان؛ لتكون العلاقة خالصة مخلصة لله. 

من ترك ملك تدلنا إلى مراد الله منّا فهو يريد منا الامتلاء والغنى بكلّ ما ينقصنا والتجرّد من كل تعلق وإذلال للنفس. 

من ترك ملك تُفهم من خلال اسم الله الغنيّ بقاعدتين:

1. تعزيز الاحتياج والافتقار لله فيما نحن ممكنون منه وقادرون عليه.

2. تعزيز الترك فيما نحن محتاجين إليه.

وحينها تأتي الدّنيا وهي راغمة دون أن يأسرك شيء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة