قصة"روح هاربة".. قصة رعب

"إنها هي ما زالت تلاحقني بلا شك، ولن تنسى ما فعلته تلك الليلة".

الليلُ ما زال متوخمًا ساجًا، الجميع يغطُّ في نومه، الهدوءُ يعمُّ المكان فلا تسمع صوتًا ولا حركة، لم يخالطْ هذا السكون شيء غريب حتى أتى صوت ذلك الطرق على البابِ الخارجي لشقة الدكتور تشارل، الذي نهض متكاسلًا ليفتحه، التقط نظارته وزمجر قائًلا:

- "من قد يزورني في هذه الليلة الدلماء؟".

أضاء مصابيح الغرفة ومضى نحو الباب، ولكن نسمة هواء باردة أوقفته، فوجئ حينها واتسعت حدقتا عينيه حينما رأى باب شقته مفتوحًا على مصراعيه، ونوافذ الصالة الأمامية كذلك. اتجه نحو الحائط ليُشعل المصابيح خشية أن يكون هناك لص في منزلِه، بيد أنه لم يرَ أحدًا، اتجه ناحية الباب وأغلقه، وحينما ذهب ليطفئ الأضواء كانت قد سبقته هي، وانطفأت وحدها. قال لنفسه:

- "هل تعطلتْ يا ترى؟ لربما سأضطر إلى تغييرها غدًا".

وقبل أن يبتعد من مكانه انفتحت الأبواب مجددًا، فالتفت مسرعًا ناحيتها. توجسته الرهبة، وتساءل في نفسه عن الذي يحدث معه، حتى رآها تدخل بالباب، عيناها حمراوان، ولونها ينصع بالبياض، عدا وجهها كان أسود ومشتعلًا بالنيران، تمد يديها ناحيته وهي تردد:

- "لِمَ تركتني أموت؟ لِمَ؟".

_ "تينا؟!".

- "أجل تينا التي قتلتها".

- "لا، أنت مخطئة".

لم تأبه تينا بإجابته، ظلت تقترب ناحيته، فهرب منها، وحينما حاول النداء على الجيران كان صوته قد اختفى، حاول أن يصرخ بأي ثمن، لم يستطع أن يخرج ولا ثمة حرف ليشكل ولو تلك الكلمة التي تكتنف في خلده ألا وهي "النجدة!". حاول وحاول.

- "لا تقتربي مني، أرجوكِ سامحيني!".

هكذا استيقظ الدكتور تشارل هلعًا، مرددًا هذه الكلمات.

الغرفةُ، السريرُ، الأدويةُ، وتلك الكنبة بجانب النافذة، إنها بلا شك غرفته، وقتئذ أدرك أن كل ما شاهده قبل قليل ما هو إلا محض كابوس كغيره من تلك الكوابيس التي تزوره مؤخرًا كُل ليلة؛ لقرابة الشهر وأكثر، تناول فيما بعد علبة الدواء من الطاولةِ التي بقرب سريره، أخذ منها "كبسولة" وابتلعها، مرتشفًا بعدها كأس ماءِ، تنهَّد لبعض الوقت، وبدأ يتذكر كل ما حدث معه خلال بضع سنوات مضتْ، إلى أن غطَّ في النومِ مجددًا.

                                                          ****

تنفستْ شمس الصباح، وانبثقت أشعتها على أرجاءِ الكوكبِ، وانتشرت الضوضاء مع أهلها ولا سيما في مدينة لوس أنجلوس التي تعج بكثيرِ من السُّكان؛ حيث نجد عمارة "جين فليف" التي يقطن فيها الدكتور "تشارل مانيلا" ذي الاثنين وثلاثين عامًا في الطابق الرابع من تلك العمارة، الشقة التي تطل على شارع الحي.

بعدما ألقى التحية على جميع الجيران من شرفته الصغيرة، جلس الدكتور كعادته يقرأ جريدته الصباحية، ولا تخلو هذه الأجواء من قدح القهوة الذي تعده جارته الآنسة مارغريت ذات الشعر الأشقر؛ فقد كانت تعد قهوة لذيذة شهد عليها جميع من في الحي، لذا كلَّفها تشارل أن تعدها له كُل صباح.

عقاربُ الساعة تُشير إلى الساعة السادسة والنصف صباحًا، رائحةُ الياسمين تنبعث من شرفةِ مارغريت من الجهةِ اليمنى لشقته؛ لتداعب أنف تشارل ومن الشرفة التي عن يسارِ شقته، كانت الأناشيد الوطنية تنبثق من مسجل الصوت الكلاسيكي الذي يملكه الجندي العجوز دانيال، ولا تخلو الأجواء كذلك من ضجيجِ الأطفال وضحكاتهم، التي تنبعث من الشارع كذلك وهم يهتفون على أخت مارغريت الصغرى تينا ذات العشر سنين بالنزولِ لأجل اللعب.

تتعالى ضحكات الأطفال، وتتداخل أصواتهم وهم يهتفون على تينا، حتى يأتيهم صوت تينا:

"انتظروني يا رفاق، أنا قادمة". 

تتغير لهجة ونبرة الأطفال:

- "تينا توقفي، لا تأتي، لن تلعبي معنا بعد اليوم، لقد تأخرتِ!".

تصرخ تينا:

- "ساعدوني!".

 ينظر تشارل من أعلى شرفته ليرى أن كُل شيء طبيعي، إذًا لِمَ تطلب تينا المساعدة، ما زالت الرائحة تداعب أنفه، ويخامر أذنيه صوت الأناشيد، عاد ليقرأ جريدته، الصفحة الثانية من صحيفة "نيوز"، العنوان بالخط الأسود العريض: "اليوم الحادي عشر من إبريل، حريق في حي من أحياءِ مدينة لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا تروح ضحيته طفلة بعمرِ العشر سنين". ثم يرى صورة تينا وهي باسمة أمامه، يذهل من هذا المشهد الذي أمامه، حتى تتحرك صورة تينا وتتحدث إليه:

- "عمي الدكتور، لِمَ لم تساعدني؟".

يرمي لحظتها تشارل الصحيفة أرضًا، ويركض ناحية شقة مارغريت يطرق الباب بشدَّة، تأتي مارغريت لتفتح الباب، أما هو فيندفع بسرعة ناحية شقتها وينادي بأعلى صوته:

- "تينا، تينا!".

تجيبه مارغريت أنها تلعب بالأسفل مع الأطفال، فركض، ولهث وهو نازل من على الأدراج ويقول في نفسه:

- "هذه المرة سأنقذها بلا شك".

يصل إلى الشارع، الضوءُ القوي يهاجم عينيه، يصرخ وينادي:

- "تينا، تينا".

يجيبه الأطفال بصوت واحد:

- "تينا لم تنزل من الأعلى بعد، وستفوتها اللعبة يا عمي الدكتور".

يرتفع صوت الأطفال وهم يرددون جملتهم الأخيرة، تزداد حدة صوت المسجل لترتفع بذلك طبقة الأناشيد حدَّة، ويأتيه صوت الجندي العجوز ليقول له: "إن تينا قد ماتت يا بُني". ومن بين تلك الضجة كلها تأتيه تينا المتفحمة بالنارِ لتقول له: "لِمَ لم تساعدني عمي الدكتور؟".

يستيقظ تشارل في هلعٍ للمرة الثانية ليعلم أنه قد ولج في كابوس مجددًا، ثم يجلس على حافة السرير ليحدث نفسه:

- "مضتْ ثلاث سنوات على تلك الحادثة، وما زال خيال تينا يلاحقني في الأحلامِ، يجب أن أزور الدكتور باولو هذا اليوم، فحالتي يرثى لها".

يقفز بسرعة من سريرِه، وهو يشعر أن أنفاسه تتسارع وعرق بارد يسيل على جبينه. ارتدى ملابسه على عجل، وحمل حقيبته الطبية، متجهًا نحو باب شقته. لكنه قبل أن يغادر توقف للحظة وهو ينظر إلى المرآة الكبيرة في غرفة الجلوس. كانت عيناه مملوءتين بالقلق والخوف، وقد بدا شاحب الوجه، منهكًا من ليالٍ طويلة بلا نوم.

"يجب أن أزور الدكتور باولو الآن، لا يمكنني الانتظار أكثر". قال لنفسه بصوت مرتجف، واستعد للخروج، وبينما كان ينزل على الدرج، قابل مارغريت عند الباب الخارجي.

- دكتور تشارل تفضل قهوتك الصباحية، وما لي أراك مضطربًا اليوم على غير العادة؟ قالت له كلماتها تلك بابتسامة باردة وعينين لا تخفيان مشاعر غريبة.

- لا، لا أريدها شكرًا لك، فقط! آخ مارغريت كنت أعاني من كابوس مزعج مرة أخرى، أجاب متجنبًا النظر في عينيها.

- أوه، الكوابيس مجددًا؟ هل حقًّا ترى تينا تلاحقك؟ نطقت مارغريت بنبرة غامضة وهي تقلب فنجان القهوة في يدها.

توقف تشارل لحظة وهو ينظر إليها بشك، كانت كلماتها دائمًا تحمل معنى مزدوجًا؛ كأنها تعرف أكثر مما تقول، لكنه هزَّ رأسه وغادر سريعًا قبل أن يتورط في نقاش غير مريح معها.

عندما وصل تشارل إلى مكتب الدكتور باولو، حاول أن يشرح له ما يحدث، لكن الأخير بدا قلقًا وسأله أسئلة أكثر عمقًا عن الحادثة التي تخص تينا.

- هل تينا كانت قريبة منك؟ وهل لاحظت أي شيء غريب قبل وفاتها؟

تردد تشارل للحظة ثم أجابه حينها: كانت الحادثة مفاجئة، كان هناك حريق في شقة مارغريت، كنت أحاول الوصول إليها، لكن النار كانت قد اشتعلت بالفعل.

الدكتور باولو نظر إليه بجدية وأخذ يدوِّن ملاحظاته على دفتره الأزرق الصغير الذي بين يديه، ثم استطرد قائلًا بلهجة تحمل الجدية ذاتها مثلما النظرات:

- "ربما ليست مجرد كوابيس، يبدو أن هناك شيئًا آخر يحدث، مثلًا الأرواح المعذبة أحيانًا تحاول الانتقام، وقد تكون أنت جزءًا من هذه اللعنة، ربما تظن تينا أنك من أشعلت النار، وربما ضميرك يؤنبك أنك لم تنقذها، لكن عليك ملاحظة هذا الأمور، فأنت تناولت كثيرًا من الأدوية والمهدئات، وسأعاود القول إن الأمر أكبر من كونه مجرد كوابيس".

زرع الدكتور باول في رأس تشارل الشك، وعندما عاد يومها إلى شقته باكرًا على غير عادته، فقد كان يبتعد من المنزل خوفًا من محاصرة تلك الكوابيس له في وضح النهار، وقتها لاحظ بينما هو يصعد على السلم أن الاجواء أكثر غرابة مما اعتادها، وأن الأضواء في شقة مارغريت تتذبذب ورائحة دخان بدأت تعبق المكان.

وحينما ولج إلى شقته نظر إلى نافذته وقد كان ينعكس ظل مارغريت، فنهض واقترب نحو تلك النافذة محاولًا تكذيب ما رأته عينه، حتى فتح النافذة ورآها تجلس أمام مرآة وهي تتحدث بصوت غير طبيعي، الكلمات كانت غير مفهومة، لكنها كانت تكرر اسم تينا مرارًا.

- أنتِ من فعلتِ هذا أليس كذلك؟! صرخ الدكتور عندما اقتحم شقة جارته دون استئذان.

استدارت إليه مارغريت ببطء، عيناها متوهجتان وابتسامة شيطانية ارتسمت على وجهها.

- يالذكاء! نعم أنا من استدعت روح تينا. إنها تريد الانتقام، وأنت تستحق العقاب.

- لكن، لماذا؟ ماذا فعلت لها؟

- لأنك كنت هناك، ورأيتها تموت ولم تفعل شيئًا! وأنا سأجعلها تعيش من جديد، لكن بروحها المعذبة، ولن تكون النهاية كما تتوقع.

في تلك اللحظة، بدأت الغرفة تمتلئ بالدخان، وأصوات تينا تعلو في كل مكان. بدأت الأبواب والنوافذ تُغلق من تلقاء نفسها، وكلما حاول تشارل الهرب، يجد نفسه محاصرًا. لكن ما لم تتوقعه مارغريت هو أن استدعاء الأرواح يتطلب قوة تفوق قدرتها، وقد بدأت آثار القوة السحرية تستهلك جسدها ببطء.

حاول في لحظة يأسه أن يستعين بذكرياته الطبية محاولًا الوصول لطريقة لتعطيل الطقوس، لكن قبل أن يتمكن من فعل شيء، انهارت الأخرى على الأرض وعيناها مفتوحتان بشكل مرعب، وكان جسدها قد تفحم بالكامل، كان آخر صوت حتى خامر أذنيه هو صرخة تينا، بعدها اختفت كل الأصوات فجأة.

بعدها وجد تشارل نفسه في شقته مجددًا، لكنها لم تكن كما كانت من قبل، كل شيءٍ بدا طبيعيًا، لكن الجيران أخبروه أن مارغريت اختفت، ولم يعثروا على أي أثر لها، والأغرب من ذلك، أن الشقة بدت وكأنها لم تُستخدم منذ سنوات.

عاد تشارل إلى غرفته، نظر في المرآة، ورأى انعكاسه، لكن خلفه كانت تينا تقف وتنظر إليه بابتسامة خفيفة، ثم اختفت كما ظهرت.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة