في ديوان العرب، تظل قصائد الفخر والحكمة هي النبراس الذي يضيء دروب السالكين نحو المجد، وتأتي هذه الأبيات لتنسج لوحة أدبية فريدة عن شموخ العزائم والهمم العوالي التي لا ترضى بالدون، محاكيةً في جزالتها عيون الشعر العربي القديم.
هِيَ الهِمَمُ العَوَالِي إِذْ تُنَادَى *** تَرُدُّ طَوَارِقَ الدَّهْرِ انْقِيَادَا
تَدُكُّ حُصُونَ كُلِّ رَدًى بِعَزْمٍ *** وَتَصْنَعُ مِنْ عَزَائِمِهَا عَتَادَا
بَوَارِقُهَا تَشُقُّ اللَّيْلَ زَحْفًا *** وَتُرْهِبُ مَنْ يَخُونُ وَمَنْ تَمَادَا
فَقُمْ لِلْمَجْدِ وَاسْتَلْهِمْ طَرِيقًا *** يَفُلُّ بِحَدِّ صَارِمِهِ العِنَادَا
وَلا تَرْكَنْ إِلَى دُنْيَا خُنُوعٍ *** فَقَدْ جَعَلَتْ جَبَابِرَةً جُدَادَا
لَقَدْ أَبْقَى الزَّمَانُ تَلِيدَ مَجْدٍ *** لِمَنْ هَجَرَ المَضَاجِعَ وَالمِهَادَا
وَأَكْرِمْ بِالفَتَى حُرًّا وَيَرْنُو *** يَرَى كُلَّ البِلادِ لَهُ بِلادَا
وَيَقْضِي فِي الأُمُورِ عَلَى أَنَاةٍ *** وَيَسْعَى فِي مَعَالِيهَا اتِّئَادَا
وَلَوْ أَحْيَا لِمَا يَمْضِي بِعَزْمٍ *** لَأَحْيَا مِنْ تَوَقُّدِهِ الجَمَادَا
وَيَحْمِلُ مِنْ صُرُوفِ الدَّهْرِ مَا لا *** يُطِيقُ النَّاسُ أَوْطَادًا شِيَادَا
إِذَا مَا المَرْءُ أَفْنَى كُلَّ جُهْدٍ *** فَقَدْ بَلَغَ المُؤَمَّلَ وَالمُرَادَا
يَخُوضُ غَمَارَهَا فِي كُلِّ وَادٍ *** وَيَأْبَى أَنْ يَرَى فِيهَا الفَسَادَا
أَعَدَّ لِكُلِّ نَائِبَةٍ حُسَامًا *** وَأَسْرَجَ لِلْعُلا صُفْرًا جِيَادَا
يُجَافِي النَّوْمَ عَنْ عَيْنَيْهِ طَوْعًا *** وَيَأْلَفُ فِي مَقَاصِدِهِ السُّهَادَا
إِذَا اشْتَدَّتْ خُطُوبُ الدَّهْرِ يَوْمًا *** يُوَاجِهُ مِنْ قَسَاوَتِهَا الشِّدَادَا
يَجُوبُ الأَرْضَ مِنْ شَرْقٍ لِغَرْبٍ *** وَيَقْدَحُ مِنْ بَصِيرَتِهِ الزِّنَادَا
أَبِيُّ النَّفْسِ لا يَرْضَى هَوَانًا *** وَيَأْبَى أَنْ يَعِيشَ بِهَا مُقَادَا
يَصُولُ عَلَى جُيُوشِ البَغْيِ فَرْدًا *** وَيَنْثُرُ فَوْقَ هَامَتِهِمْ رَمَادَا
يَرَى نَيْلَ المَعَالِي خَيْرَ كَسْبٍ *** وَلا يَرْجُو مِنَ الدُّنْيَا الحَصَادَا
يُصَادِقُ كُلَّ ذِي شَمَمٍ نَجِيبٍ *** وَيَمْنَحُهُ المَوَدَّةَ وَالوِدَادَا
سَيَذْكُرُهُ الزَّمَانُ بِكُلِّ فَخْرٍ *** وَيَتَّخِذُونَ سِيرَتَهُ عِمَادَا
يَصُونُ العَهْدَ لِلأَصْحَابِ دَوْمًا *** وَيُحْسِنُ عَنْ حِمَاهُمُ الذِّيَادَا
وَكَمْ طَالَ الدُّرُوبَ بِعَزْمِ لَيْثٍ *** وَدَاسَ بِخَطْوِهِ الشَّهْمِ القَتَادَا
يَخَافُ اللهَ فِي سِرٍّ وَجَهْرٍ *** وَيَرْجُو فِي مَسِيرَتِهِ الرَّشَادَا
تَسَامَى عَنْ سَفَاسِفِ كُلِّ قَوْلٍ *** وَأَشْرَفَ فِي تَرَفُّعِهِ النَّجَادَا
قَلِيلُ القَوْلِ مِفْضَالٌ بِفِعْلٍ *** وَفِي الهَيْجَاءِ لَمْ يَخْشَ الجِلادَا
سَتَبْلَى كُلُّ أَجْسَادِ البَرَايَا *** وَتَبْقَى رُوحُهُ تَأْبَى النَّفَادَا
وَفِيٌّ لِلْعُهُودِ إِذَا أَلَمَّتْ *** خُطُوبٌ، كَانَ ذَا رَأْيٍ سَدَادَا
يَجُودُ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ مَنٍّ *** وَلا يَرْجُو لِمَا أَعْطَى مَعَادَا
يُوَرِّثُ مَجْدَهُ أَبْنَاءَ صِدْقٍ *** لِكَيْ يَبْنُوا مِنَ الشَّرَفِ اعْتِدَادَا
نَقِيُّ الصَّدْرِ مِنْ غِلٍّ وَحِقْدٍ *** وَيَجْلُو عَنْ سَرِيرَتِهِ السَّوَادَا
تَمُرُّ الحَادِثَاتُ بِهِ فَتُبْدِي *** لَنَا مِنْ فَضْلِهِ الصَّافِي ازْدِيَادَا
وَإِنْ نَامَ الأَنَامُ عَلَى حَرِيرٍ *** فَقَدْ هَجَرَ التَّرَفُّهَ وَالرُّقَادَا
هُوَ النِّبْرَاسُ فِي ظُلُمَاتِ جَهْلٍ *** إِذَا مَا الجَهْلُ فِي الأَقْوَامِ سَادَا
رَقَى فِي المَجْدِ مَرْتَبَةَ الثُّرَيَّا *** وَمَا زَالَ الطُّمُوحُ بِهِ اطِّرَادَا
رَحِيمٌ بِالضَّعِيفِ كَنَبْضِ أُمٍّ *** وَقَاسٍ إِنْ رَأَى البَاغِي اسْتَزَادَا
إِذَا ذُكِرَتْ بُطُولَتُهُ بِفَخْرٍ *** تَرَى التَّارِيخَ يَطْلُبُهَا اسْتِعَادَا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.