قرية بألوان الزعفران!


هناك أشياء في هذا العالم عندما تراها للوهلة الأولى تشعر وكأنك في حكايات ألف ليلة وليلة، عندما ترى قرية كل بيت من بيوتها يعد فناء من أفنية الفن... أو متحفاً مزخرفاً بالألوان، (الباتشيترا) أو فن (الباتوس)، في قرية نائية من قرى القارة الهندية والتي يطويها المكان داخل أثيره جنوب مدينة كالكتا، قرية يتميَّز سكانها بالرسم على اللفافات القماشية، وكل قماشة تسرد قصة من القصص الهندوسية أو الإسلامية في الهند، فجميع سكانها يمتهنون مهنة الثياب المصورة ولم يتوقف الأمر ها هنا بل انتقل حتى إلى جدران بيوتهم ليحكي كل بيت حكايته الخاصة. 

اقتفى هذا الفن الآثار التي شكلته منذ أكثر من ألف عام مضت! جعلته هذه القرية وسكانها، فناً فريداً من نوعه تروي كل لفافة من لفافاته سرداً سينمائياً قل نظيره، وفي الآونة الأخيرة سعى الباتوس (القبيلة التي تمارس هذا السحر) إلى نقله إلى أشياء أخرى مثل الأثاث والأدوات المنزلية. 

قام هذا الفن بذاته ليروي قصائد ملحمية وأشعارا تمثل التسامح الديني، حتى أصبحت القرية مركزاً عالمياً للفنون ليس هذا فحسب، بل لم يبقَ هذا الفن حكرا ممتعاً لأصحابه فقط، بل يرتحلون بهذه اللفافات إلى قرى مجاورة يعرضون قصص ما يرسمون تزامناً مع إلقاء القصائد الشعرية والترانيم الصوتية العذبة التي ترافق العرض السحري المذهل، طمعاً منهم بهبات يحصلون عليها من سكان القرى المجاورة، ومما يجمل هذا الفن أكثر أنه مشترك بين الجنسين، فالنساء يصنعن أدواته التي توارثوها عبر الأجيال والرجال يرسمون ويؤلفون القصائد والحكايات.

تحضر النساء الأصباغ من التوابل والزعفران والنباتات المحيطة بهم، يصنعن منها ألواناً ناصعة تنشر النور في كل أرجاء القرية، ويضعن الألوان في أوعية خاصة من قشور جوز الهند... سترون في هذه القرية تعايشا بصرياً منقطع النظير يتوارى خلفه التسامح الاجتماعي الذي ينسج الألفة بينهم… سترون أن اللفافة تجمع بين الذكر والأنثى ضمن سيمفونية معقدة أدواتها بضعة أمتار من القماش ملونة بألوان الزعفران، عليها خطوط ترسم البهجة وأصوات ندية من أغاني النساء وحناجرهن الأنثوية الناطقة بالإبداع، وقصائد ترسم بيد الرجال على تلك الأقمشة لتكوين حكاية مصورة تطرب الآذان... استحقت قرية نايا بالفعل أن تكون قرية بألوان الزعفران. 

يأتيها الزوار الأجانب من كل حدب وصوب، يحمل كلاً منهم كاميرا خاصة لالتقاط صور هذه المتاحف المبعثرة في نواحي القرية، والغريب في الأمر حتى أطفال هذه القرية يحاولون التعلم والرسم، وبلغوا مبلغاً عظيماً من حب الحياة عندما يعلمون الزوار الرسم على اللفافات، أتخيل نفسي وأنا أرى قطف التوابل والزعفران من الحدائق والغابات المحلية، وأن أرى طريقة عملها أمامي، وكأنني أرى الألوان كيف تصنع وكيف تتحول وتمزج معاً، يا له من شعور! 

ما أجمل الطبيعة عندما تهبنا ما فيها من أسرار وجمال، وما أجمل أن نستخدم عقولنا والإبداع الجاثي فيها لنطلقه نحو الطبيعة الأم، ونستخرج منها هذا الجمال لنطلقه للجميع، فهناك في هذه القرية عائلات ورثت هذا الفن أباً عن جد، وعلموه لصغارهم ليبقى متنفساً للقرية ما دامت السماء والأرض، في هذه القرية نرى المثال الحي للطاقة الإيجابية التي تعم المكان وتمثل الهوس الإنساني المحب لكل أشكال الفنون، لكن هذه القرية شكلت استثناءً يروي الفن العميق لأنه وحسب ما رأيت لا يوجد أجمل من فن ولدته الأرض وتبناه الإنسان، حتى خرج من الوهم إلى الواقع، وتحول إلى نبضٍ يجمع بين الرسم، والشعر، والقصة، والغناء، والعمل، ويتمثل بالتشاركية الخالدة بين الرجل والمرأة... وتمثل تقليداً شعبياً ينبع بساطة، فكل ما في هذا الفن لا يحتاج إلى مال... إنه هبة من الطبيعة استحقها من يسكن هذه القرية!

بقلم الكاتب


باحث وكاتب افلام


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

باحث وكاتب افلام