قرر أن يعود بعد طول غياب وهنا كانت الصدمة

فور انتهائي من عملي في المشفى تناولت ملف مريض جديد عن المكتب واتجهت إلى موقف الحافلات ،بعد وصول الحافلة جلست في المقعد الثاني اذا جاء بعد دقائق شخصٌ يستأذنُ مني لكي يجلس بجانبي قلت له :بالطبع تفضل ،وفور التقاء عيوننا أدركنا بعضنا البعض إنه سامي زميلي الأكثر ذكاءً في المدرسة، كان فطناً سريع التصرف وعندما كان المعلم يسألُ سؤال يثيرُ التفكير تراه يأخذ بضع دقائق حتى ينطق بالإجابة الصحيحة، شخصياً كُنت أغبطه وأتمنى أنّ أكون مثله ما أن انهينا دراسة الثانوية قرر الانتقال مع أهله للعيش خارجَ البلاد حسب ما علمته، أن الحياة في الوطن صعبةٌ جداً ووالده غير قادر على تحمل الوضع لذلك قرروا الهجرة ومن ذاك اليوم لم أعرف أي شيء عن سامي ولكنني فور رؤيته توقعت أن يكون شخصاً ناجحاً ومميزاً بلا شك، بادرني بالسؤال أنت أحمد عارف فريد ؟ درست في مدرسة الأوائل الأولى؟ أجبته سريعاً نعم أنا أحمد عارف فريد وأنت بكل تأكيد سامي سعيد حسن ياه كم مرَّ من الوقت على تلك الأيام _لقد مرَّ وقت طويل حقاً، ماذا فعلت في حياتك؟ كيف جرت أمورك ؟ _لقد درست الطب هنا وكما ترى إنني أزاول المهنة منذ خمسِ سنوات ،والحمد لله على كل حال، وأنت ماذا درست؟
 
لا شك أنك شخصٌ ناجحٌ في مجالك المهني فما زلت أذكر ذكائك في المدرسة أخذ تنهيدة عميقة قبل أن يجيب عن سؤال _لأكن صريحاً معك ،لم يحدث أي شيء كما توقعناه، كنا نظن أن حياة الغربة وردية وأنك ستجني الأموال بكل سهولة وكنا نظن أيضاً أننا سنعيش حياةً كريمة الا أننا أدركنا أننا نعيش في ذل مطلق لم يتحمل أبي كثيراً ومع الأسف فارق الحياة وقد كان يتمنى أن يراني ناجحاً فقد كان حلمه أن أدرس الطب ولكنني لم أدرس شيئاً في نهاية المطاف فكما تعلم أنا الابن الوحيد ويقع على عاتقي كل شيء ومع ارتفاع الضرائب لم أعد أقوى على المكوث طويلاً في الغربة شعرت أن الوطن يطلبني، صدقني من يقول أنه يعيش خارج وطنه سعيداً فلديه مشكلة في المبادئ والقيم أولاً ،ومشكلة أخرى نفسية، بتأكيد تقول الآن لماذا اذاً اخترت الغربة، لربما اخترتها لأن أبي هو من أجبرني ولأنني وقعت تحت الأمر الواقع اخترتها ولكن أقسم لك أن لا شيء يعادل الوطن في قلبي اخترت الغربة ولم أتخلَ عن المبدأ الذي يتأصلُ بداخلي "على ركاب المحطة رقم سبعة أن يستعدوا للنزول " قاطع حديثنا سائق الحافلة، فتوجهت معتذراً لسامي: هذه محطتي على النزول الآن هذه هي بطاقتي دعنا نلتقي ونكمل حديثنا
_حسناً، في حفظ الله
اتجهت إلى غرفتي، بعدما نزعت حذائي ومعطفي وضعت الملف الذي بيدي على الطاولة المجاورة، انتبهت أن شيئاً ما قد لطخهُ فمسكت قطعة قماش محاولاً مسح ما جاء عليه اذا تبين انها قطرات عرق لا شك انها من يدي، لفتني اسم المريض الذي يحمله الملف "سامي سعيد حسن" ارتعشت من قوة المصادفات لهذا اليوم فتحت الملف غير مبالياً لما حدث وبدأتُ أقرأ بالتقارير الطبية "ورم سرطاني خبيث منتشر بشكل كبير في الدماغ"
وقع هذا النبأ عليَّ كصدمةٍ لا توصف، فلم يخطر في بالي سوى هذه الكلمات يقال أن الإنسان يشعر باقتراب موعد وفاته ولعل سامي قد شعر بذلك ،لذلك عاد لأرض الوطن كي يموتُ فيها بكرامةٍ وسلام، فنحن قومٌ حبُ الوطن يسري في قلوبنا والوطن مربوط بأوردتنت تراه يقولُ لنا:أريدُ أن أحتضنكم في جوفي لأنكم مني وأنا منكم فعودوا.
 
بقلم مرح مراد

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب