قرار أخير

بمرور الوقت يتحول الأمر إلى مجرد عادة. 

عادة تفقد معها القدرة على أن تتذكر منذ متى وأنت تنتظر هناك؟ وما هذا الشيء الذي كنت تنتظره؟ ومتى جاء كل أولئك البشر الذين يحيطون بك الآن؟

أسئلة عديدة تحار في إيجاد ولو إجابة واحدة لأيًا منها؛ حتى وإن كانت تلك الإجابة خيالية. 

بمرور الوقت تفقد القدرة على تحريك ساقيك أو ذراعيك. 

كل ما يتبقى لك هو أن تلحظ ـ بعقل نصف واع ـ تلك التغييرات التي اجتاحتك وأنت واقف مكانك، لحيتك لم تكن بهذا القدر من الطول في السابق، ذلك الورم الخفيف الذي أصاب منتصف الظهر تماما وأجبرك على الإنحناء قليلا ً. الباعة الجائلون الذين اتخذوا من ظلك الواهي مكانًا لعرض بضائعهم التي يتجاهلها المارة؛ ورغم ذلك يواصلون نداءاتهم دون انقطاع بشكل تود معه لو تملك القدرة على تحريك ذراعيك لتغلق أذنيك اللذان غطاهما الشعر. 

بمرور الوقت ـ الذي لا تملك سوى أن تجعله يمر ـ وعلى الناحية الأخرى من الطريق تراهم هناك، مثلك تماما، واقفين بلا حركة على الإطلاق سوى حركة عيونهم التي تدعوك لتعبر إليهم ولكنك الآن عاجز تماما. 

بجوارك ـ على نفس الرصيف ـ يقع ذلك الكشك الخشبي العجوز و صاحبه يجلس بجواره يماثله تماما في العمر، عاقدًا ذراعيه فوق صدره، يدخن في هدوء قاتل، وبين الحين والآخر يلتفت إليك ليهز رأسه ـ حسرة ـ ثم يعاود من جديد الإنصراف عنك. 

تشعر بوخز خفيف في ذراعك اليمنى، يتصاعد حتى كتفك، ليواصل صعوده فوق رقبتك، وجهك، ويستقر الآن فوق جبهتك. 

لم يعد هناك شك ـ أو على الأقل هكذا تأمل ـ أنك تحلم الآن حلما مفزعًا، ولإنك تريد أن تصدق ذلك الصوت الذي يتردد الآن في أذنيك يخبرك بأنك تحلم تبدأ في إغلاق عينيك بالفعل وتضغط على جفنيك كي تحكم الإغلاق، ولا مانع طبعا من أن تقطب جبينك ـ الذي اكتشفت قدرتك على التحكم به ـ رغم ذلك الوخز المستمر فوقه. 

اتفقت بينك وبين ذاتك ودون أن يستمع أحدًا لذلك الإتفاق أن تفتح عينيك بعد أن تصل بالعدد إلى الرقم مائة، ورغم الأخطاء التي انتابت تركيزك لإنشغالك بالتفكير في ذلك الوضع الذي أنت عليه، ورغم ذلك الصوت الداخلي الذي طالبك بأن تبدأ في العد من جديد، إلا أنك ـ وربما للمرة الأولى ـ تخالف ذلك الصوت وتفتح عينيك.

بمرور العمر تكتشف أنك مازلت تقف في نفس مكانك القديم وقد ازداد انحناء ظهرك بشكل بدأ يؤلمك، وأنهم هناك على الناحية الأخرى من الطريق مازالوا ينتظرون مثلك تماما. لم يعد هناك باعة جائلون فقد استحال المكان ـ بجوارك ـ إلى مجموعة من المحلات التي التهمت ذلك الكشك العجوز وصاحبه اللذان لم يعد لهما أي وجود على الإطلاق. تعلم ـ كما أعلم ـ أنك تشتاق إلى وجه ذلك العجوز الذي كان ينظر إليك ـ حتى وإن كان على سبيل الحسرة ـ ولكنه كان الوحيد وسط كل أولئك البشر الذي يراك. تنحدر دمعتان من عينيك تشعر بسخونتهما على خديك، ويزداد الوخز فوق ذراعك اليمنى وفوق جبهتك فيرتعش جسدك ويتحرك. 

ينتشر الضوء خلف جفنيك المغلقين فتفتحهما لتجد نفسك مستندًا بذراعك على تلك الشجرة ذات الإنحناء الخفيف التي يجول في شقوقها ـ شرايينها ـ أسرابًا من النمل الذي صعد على ذراعك ووصل إلى جبهتك، فتضم شفتيك من الألم ضاغطًا على أسنانك مقطبا جبينك مغمضا عينيك قليلا ـ دون إغلاق ـ بينما يدك اليسرى تمر على جبهتك ووجهك لتتخلص من ذلك النمل ـ الذي يرفض التوقف لحظه ـ وأيضا من بقايا دموعك التي وصلت إلى ذقنك. 

تتذكر أنك كنت تنتظر الحافلة التي تذهب بك إلى المنزل عائدًا من عملك، وتحلم ـ كما تفعل كل يوم ـ بذلك الفعل الخارق الذي ستقوم به يومًا ويغير حياتك تماما ويلفت إنتباه الآخرين إليك، ولكنك ـ كما تفعل كل يوم ـ تؤجل تحقيق أحلامك إلى الغد الذي سيكون ـ بالتأكيد ـ أكثر مناسبة من اليوم. 

تلتفت فترى ذلك الرجل العجوز الذي يجلس بجوار ذلك الكشك العجوز، عاقدًا ذراعيه فوق صدره، يدخن في هدوء قاتل، ناظرًا إليك. تبتسم له، فيهز رأسه ـ حسرة ـ وينصرف عنك. 

تقترب من ذلك الذي يقف بجوارك ـ محتميًا بظل الشجرة الواهي ـ لتسأله عن الوقت، ربما لتؤكد وجودك، وعندما يرى أنك ترتدي ساعة حول معصمك يجيبك باقتضاب وهو يحول وجهه عنك.

لم يكن هناك داع ٍ من معرفة الوقت، كما أنك لست بحاجة لرؤية بطاقتك الشخصية ـ التي كان يجب عليك تغييرها لتصبح عائلية منذ فترة وكنت تؤجل ذلك أيضا ـ لتتأكد من أن الوقت لم يعد في صالحك على الإطلاق، ولكنك رغم ذلك كنت بحاجة إلى ذلك النفس العميق الذي أخذته الآن وإلى تشجيع أولئك الواقفون في الناحية الأخرى من الطريق؛ لتبدأ على الفور وبعقل واع ٍ تماما في مغادرة مكانك ـ الذي تعلم أنك لن تشتاق إليه أبدًا ولن يفعل هو ـ متجهًا إلى عرض الطريق وسط صراخ من كانوا منذ لحظات يحيطون بك ـ كما لو أنهم الآن فقط قد أدركوا وجودك بينهم ـ ولكنك تعلم الآن فقط أنه لم يعد هناك متسع من الوقت لتنظر إلى الخلف. 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب