تنطلق القراءة من تساؤلات افتراضية عدة، مستعينةً بما يخدمها من آليات النقد السيميائي في التحليل؛ للكشف عن العلامات التي تُعَبِّرُ عن إجابات عن هذه التساؤلات الافتراضية، وما تحمله من دلالات وإشارات، وعلاقتها بالداخل والخارج، أي داخل النص، والمحيط الواقعي.
شرح عنوان القصيدة
يتكون عنوان قصيدة «صنعاء وغبار الأسئلة» من:
اسم مفرد، معرَّف بالعلمية «صنعاء».
حرف عطف يدل على المشاركة في الموقع والعمل «الواو».
اسم مفرد، معرَّف بالإضافة «غبار».
اسم جمع، معرَّف بـ«أل»، وهو مضاف إليه «الأسئلة».
وبهذا، فالعنوان يتكون من عدة عناصر هي: (اسم مفرد) + (حرف عطف) + (اسم مفرد مضاف + اسم جمع، مضاف إليه)؛ وهذه العناصر تجتمع في كونها (معطوفًا + معطوفًا عليه)؛ فالمعطوف هو المفرد «صنعاء»، والمعطوف عليه هو المضاف والمضاف إليه «غبار الأسئلة».
وهذا التركيب يحتوي على جملتين اسميتين تشتركان في الموقع، فهو إمَّا خبر لمبتدأ محذوف، تقديره (هذه صنعاء وهذا غبار...)، وإمَّا مبتدأ خبره (النص) الذي فيه تكمن الإجابة على التساؤلات التي يطرحها العنوان، كونه يختزل النص، فيطرح في ذهن القارئ المتأمل تساؤلات عدة: ما هو؟ أو ما هي؟ ماذا يعني؟
فيأتي النص بالإجابة التي تطرح في الوقت نفسه تساؤلات أخرى: لماذا؟ ما السبب؟
وكل هذا يمر عبر كشف العلامات السيميائية، التي تربط العنوان بالداخل، أي بالنص، وتربطهما بالمحيط الخارجي، أي بواقع الحياة بجميع جوانبها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية... إلخ.
وبالعودة إلى العنوان، نلاحظ أن الجملة الاسمية تدل على التجدد والثبوت، فما الذي تحمله الجملتان من الثبوت والتجدد؟
مواطن الجمال في القصيدة
لا شك في أن «صنعاء» معروفة بكونها مدينة لها تاريخ موغلٌ في القدم، و«غبار» يعني دقيق الرمال، و«الأسئلة»، مفردها سؤال، ويعني الطلب، والاستفسار، والاستعطاء، والبحث... وإن كانت «صنعاء» من الصنعة أو الصناعة، فهل هي التي صنعت الغبار الذي تحركه الرياح، وسنابك الخيول، وأقدام المارة، وعوامل الزمن؟ أم أن البحث والاستفسار هو الذي صنع الغبار؟
توجد علامة تاريخية يحملها اسم «صنعاء»، وتوجد علامة تجاورية في تركيب «غبار الأسئلة»، الذي يستدعي في الذهن تركيبًا آخر هو «غبار المعركة». والغبار متأتٍ من حركة عوامل الطبيعة (العواصف، الرياح...)، ومن حركة الإنسان (حروب، معارك، بحث...)، وإن كانت الحركة تدل على معنى الحياة، فإن العواصف والحروب تدل على الويل والهلاك...
توجد أسئلة كثيرة يثيرها النص الإبداعي في ذهن القارئ المتأمل، ويستدرجه إلى الأعماق... ليس لإخباره بما فيها، وإنما لاختباره. ثم إن القارئ لا يخدم النص، وإنما يستخدمه؛ أي إن النص يختبر القارئ، ليكشف عن مواهبه الأدبية والنقدية، وسعته الثقافية والمعرفية، وبراعته في توظيفها في القراءة. والقارئ يُوظف النص ليكشف عن التمييز في الإبداع، والموهبة الخلاقة، وما فيه من دلالات، وإشارات، وإيحاءات.
وبهذه العلاقة، ينتج النص النقدي، ما يعني أن النص الإبداعي مُنْتَجٌ ومُنْتِجٌ في الوقت نفسه، كما هو الحال في النص الذي بين أيدينا.
سيقول أحدهم: توجد مبالغة في قراءة النص، معللًا ذلك بما فيه من الوضوح والسلاسة في المفردات والتراكيب... غير أن صحة التعليل لا تدل على صحة هذا الرأي المبني على القراءة الخاطفة أو العابرة.
فعلى الرغم من الوضوح والسلاسة، فإن النص أو القصيدة تُمَثِّل لوحة فنية متفردة، تنم عن شاعر متفرد، له شفرة خاصة لا يمكن الوصول إليها بسهولة.
لا شك في أن هذه اللوحة تحمل صورة سوداوية مؤلمة، يكسوها الغبار. وهنا تتجلى وظيفة العنوان الاختزالية، فضلًا عن الوظيفة الاستثارية والإغرائية، التي تستدرج القارئ، وتغريه بالولوج إلى عالم المتن، ليرى أن مفردات العنوان قد وردت متفرقة في أنحائه: «هنا صنعاء»، «غباره»، «من أين...»، يدل على الأسئلة، كونه سؤالًا، بما يدل على الارتباط الداخلي بين العنوان والمتن. على أن الارتباط الخارجي يتمثل فيما يحمله النص من واقع الحياة. وما نعني ليس التطابق، فالنص لا ينقل الواقع أو يرسمه كما هو، وإنما يرسم صورة شعرية يخلقها الخيال.

العنوان وعلاقته بالنص
وهنا نلاحظ أن النص يدور حول العنوان، أو أن حديثه يدور حول «صنعاء...»، وما حلَّ بها من الموت، والخراب، والدمار، والقهر، والمرارة...، فيبدو الشاعر موجوعًا منها وعليها، وكأنها هي التي أغرت جرذان الكهف على اجتياحها، وحرضت لصوص الهضبة على نهب مخازن التاريخ وإحراقها. فهو مجروح ومقهور منها وعليها، كونها السببَ فيما حدث ويحدث.
فهي التاريخ، والسياسة، وهي الماضي، والحاضر، والمستقبل. فلماذا فتحت صدرها؟ ولماذا نكصت عن خوض المستحيل؟ ولماذا؟ وما السبب؟ ومن السبب؟
أما الوصول إلى الإجابة عن هذه التساؤلات، فيكون عبر علامتين (لفظية وعددية)، فالأولى تتمثل في اسم «صنعاء»، بوصفها علامة لغوية تحمل عدة دلالات (تاريخية، سياسية...)؛ فالسياسة تدير وتقود، والتاريخ يسجل، ويصوغ، ويروي فعلها. وبهذا يكون النظام السياسي هو السبب والمسبب، بل الفاعل.
أما العلامة الثانية، فهي تحمل دلالة زمنية، تتجلى بالنظر إلى مساحة النص الممتدة على ثلاثة وثلاثين بيتًا، غير أنها تحصر الفاعل في رأس النظام، فهذا الرقم (33) يستحضر في الوعي الجمعي مدة حكم رأس النظام، الذي ظل ثلاثة وثلاثين عامًا يقود البلاد، ولم نعرف اسمه. وحين عجز عن توريثها لابنه، سلمها للكهنوت الذي خرجت منه فجر سبتمبر.
فعلى الرغم من أن النص وُلِدَ في عام الاجتياح، ليحكي عنه، فإنه قد تجاوز اللحظة، متماهيًا في الأزمنة الثلاثة (الماضي، الحاضر، المستقبل)، متحولًا من المخاطب، إلى الغائب، إلى المتكلم، ثم العودة، أو الجمع بين المخاطبين، مع الانتقال إلى الحوار «قالت»، «قلت»، وتوظيف التركيب الشائع الاستخدام في المحطات الإذاعية «هنا صنعاء»، وكذلك توظيف صوت بوق السيارة «ترارن...»، فضلًا على الأخرى.
وبهذه القراءة السريعة لهذا النص، نستطيع القول إن ثمة تفردًا حقيقيًا، وأسلوبًا متميزًا، وموهبة خلاقة، ذات شفرة خاصة، وثقافة واسعة، يمتلكها شاعر متألق.
صنعاء وغبار الأسئلة
قَــــــــدرٌ لِمِثلـــــــك أن يمـــــــوت مـــــــــرارًا
أن يرتـــــدي طــــــللاً ويأكــل نـــــــــــــــــارًا
قدرٌ لِمِثلك أن تكون بلاده
طرفًا... يبيع الدارَ والديارا
ســــقط الكــلام على الكـــلام مضــــــرجًا
بدمــــــائه.. فبكـــى الكتــــاب وطــــــــــــارًا
مـــــن أيــــــن نعبـــــــر.. والدروب مليــــــئة
رعـــــــــبًا، وأوردة القــــــلوبِ صحــــــــــارى؟!
لا شــــيء غيــــر القـهـــــــر يخصف نعــــلَه
بوجـــــــوهِنا... لمبندقين سُــــــــــــكارى
ولكـــل حــــــزبٍ في منـــــازلهم «جُحــا»
منهـــم يُعلــــــــــــق عندنـــــا مِســــــــــمارا
والباقيــــــــات الــصالحــــــــــــات كـنائحـــة
... التَّـــــــلحُ... تـــــــذرف دمعـــها مِــــــــدرارا
يا لَلحكــــــايةِ حـــــين تفـــــــتح صــــــدرها
لقـــــــوافل المتســـــــــللين جِهــــــــــــــــارا!
تحصي لحارســــها القــــــديم كنــــــــوزها
كــــذِبًا، وتقصــــم ظــــــــهرها وتُجــــــــاري!
كـــــــانت ســـتُـمطِرُ كالســــماء لــــــــو أنها
اتخـــــــــذت بلــــــوغ المســـتحيل شِــــــعارا
لكنــــــــــها نَكصـــــــت علـــــــــى أعقـــــــابِها
وبَنَت منــــــــــازل فجــــــــــــرها بسهارى
قالت: «هـــــنا صنـــعاء»، قلـــــت: «هـــــنا أنـــــا»
أرثُ الـــدمـــــــارَ... أُعــــــاكسُ التيــــــــــارا
عـــــيناي خَلـــــــــــف الأمنيـــات أضــــاعتـا
مرآهمــــــــــا... والأمنـــــــــــــيات حيـــــــــارى
احتـــــــاج كــــــــــي أحيــــا نبيــــــــًّا آخـــرًا
وحمــــــامتين حـــــــــزينتـــين وغـــــــــــــارًا
وطَـــــــنٌ مُعـــــــــــاقٌ كلمــــــا وجـــــــــــهته
نحوَ القيـــــامةِ لا يُقِيمُ جِــــــــدارا
وتآمــــــــــــــــرٌ حَـــــــــذرٌ كـــــأنَّ جهــــــــاته
مُستَنفِراتٌ ما وجـــــــــــدنَ قَــــــــــــرارا
أعيدي لهاجســــــــــكِ العقيم رهانه
وتفقَّــــــــدي مِــــــــــــذياعَكِ الثرثـــــــــــارا
قالت: «هنا صَــــنعاء»، قلتُ: مَنِ الذي
ألقـــــــى علـــيكِ غُبــــــــــارَهُ وتـــــــــوارى؟!
لا شـــــــــيءَ غـــير القهـــر، لا نظـــــرية
خَطَرَتْ، ومـــا قابَلَتْــــــها بقصـــــــارى...
أعــني: قَصـــــارى جُهدي المُتواكــــب الـ...
... الأوجــــاع كالتَّــــــنورِ لَمَّــــا فـــــــارَا
فــــــارت عــلى شَـــــــهَقاتِه صـــــــــبواتنا
وتنفـــــــــس المستقبل اســـــــــــــتعمارا
وإلى ضـــــفافِ الليـــــــلِ، كـــم سَـــــــــيارةٍ
تبعَــــتهُ تَستَعدِيه أَنَّى ســـــــــــــارَا...!
سَيَّـــــــــارةٌ للمَـــــــوتِ، يَصدَحُ بوقُـــــها:
تِررِنْ... تِرَارِنْ... تِيرَ..رِنْ... تيرَارا
يتنــافَـــــــــسُ المُتنــافســـــــونَ إزاءَها
وتَزيدُهُــــــم فَــــــوقَ الدمـــــــارِ دمَــــــارا
خــلــــــــعَ الحــــــواريُّونَ من أسمائهِم
حُــــــــلَلاً علينــــا، واســــتوَوا أشــــــــــــــجارا
مَــــرُّوا مــــــرور المعصــــــرات، وأمــــــطروا
أرواحَــــــــــهم، وتدفَّقــــــــــــــوا أنهــــــــــــارا
لكنَّ هــذا القحــــــطَ قَحـــــطٌ عــــاهرٌ
قـــــــــذر بكــــــــل فضــــــــيلة يتـــــــــمارى
مــــن أين نعبر؟ لا مجـــــــالًا شـــــاغرًا
... إلا وأعشـــــــــب حولنا اكفـــــــــهرارا
سَــــلكتُ عصــا «موسى» زُقـــــاقًا مُقفَــــــــرا
وغـــــدت بلا «موسى»، بلا «جـيـفـارا»
والراكـــــبون البحـــــــــر... لا أخـــــــبارهم
وصـــــــــلت، ولا تركــــــــوا لنـــــــا آثــــــــــارا
والمــــــارقـــــونَ اليــــــــــوم فـــي أبـــــوابِها
فِـــــــــرَقٌ علــــى أوجـــــــــاعِها تتَبـــــــــارى
والفاتحــــــــونَ قلوبــــــــــــهم لجـــــــــلالِها
يتقاســـــــــــــــــمونَ العُــــــــــــــــــرْيَ دارًا دارا
ردي لهاجســــــــكِ العقــــــــــــيمِ رِهَـــــــــانَهُ
وتفقَّــــــــدي مـــــــــــــذياعكِ الثَّــــــــــــــرثارا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.