منذ ليالٍ وأنهر قليلة، قرأت نجومه المعلقات في سماء ديوانه.. نجوم متناثرة في ليل أم الفرسان، والعراق، وفوق حزن الفرات.. وبعيدًا هناك، حيث الليل يومض بالشعر، وقفت معطيًا ظهري لمجسات النقاد ومساطرهم التي لا تقيس حزن الشعراء.
وبعيدًا عن معيارية النقد التي لا يجيدها إلا أرباب الاختصاص، آثرت أن يكون انطباعي الأولي عن الديوان مقاربة وصفية لسياقات روحية وجدانية مستقاة من النشوى الأولى للنصوص الشعرية.
اقرأ أيضًا شعر العامية بأقلام نسائية | بين رفض التسمية والظلم والإنصاف..
ومضات
عند الولوج إلى الديوان يستقبلنا الشاعر بخمس وعشرين قصاصة أو لوحة.. كل ومضة أو قصاصة تكاد أن تكون فنجان قهوة عربية مرة، على قلتها إلا أنها تترك مذاقها الخاص على شفاه قرائها، يرتشف القارئ فناجين الشعر من دون أن يهزها، وهذا يعد ذكاء يحسب للشاعر، إذ استطاع أن يبقي ضيفه في خيمة شعره إلى آخر جملة شعرية.
تلك الومضات هي كبسولات مجازية مضغوطة، ومدخرات شعرية مشحونة بطاقات الحب والفقد والخيبة والذكريات، وعلى قلة حروفها إلا أن بها من الشعر شيئًا كثيرًا.
وحينئذ يحضرني قول الشاعر العباسي أبي نصر الميكالي: «قليلٌ منكَ يكفيني ولكنْ .. قليلكَ لا يُقالُ لهُ قليلُ».
يبتدئ الشاعر إبراهيم ديوانه بالأم العجوز التي لا تأبه لدورة الفلك، ولا لعدو ليل الحياة الآزف خلف أنهرها القادمة، لتبقى في نشاطها الثابت الدؤوب، على أن ابنها الشاعر يتحسس بعين قلبه تجاعيد ذاك العمر المتبدد في راحات أبنائها.
أراد إبراهيم أن يظل طفلًا مكورًا في «صايتها» ليفاجأ بشمس العمر التي راح يجر خيطانها أطفاله الستة (بما فيهم هذا الديوان) نحو الغروب، وكأن الحياة أشبه ما تكون برقعة شطرنج لا مكان بها للبياض الكامل ولا للسواد، أو هي نتيجة حتمية لأجيال متلاحقة أعطى الليل للخلف ووهب النهار للسلف:
(الليل الذي سرقناه من ثياب أمهاتنا/ بات بهيًّا/ أمام ما يتهيأ أولادنا/ لسرقته/ من نهاراتنا)
ومرة أخرى، يعاود الشاعر تلخيص الحياة على هيئة قصة مشذبة السيرة، عميقة في حكمتها، وموغلة في التأمل.. يوجد من يقول: «الجنة من دون ناس ما تنداس»، إلا أن الشاعر أراد أن يقول: إن هذا الكون ناقص في إحدى القصاصات الموسومة بعنوان قصة: (لم أشهد مقدمتها مع أبي/ ولن أشهد خاتمتها مع ابني/ الحياة قصة ناقصة).
كل من لا يعرف إبراهيم المرعي بإمكانه أن يعثر على ملامح شخصيته عند تقليب أوراق الديوان، فسيماه في شعره، سيجده شاعرًا حكيمًا محايدًا، يمسك العصا من منتصفها، ويقف في منتصف الثنائيات المتناقضة بين الليل والنهار- المطر والعطش- المفاتيح والأقفال- اليأس والأمل- الفريسة والصياد- الدفء والثلج.. وبين كل هذه المتناقضات نجده يطلق قوس حبره نحو أيائل المعنى قبل فواتها.
إنه شاعر اللحظة الهاربة الذي يجرد الأشياء إلى بداياتها، فيصالح الوجع، في حين أنه لم يبرأ من وخزة الوجع الأولى، إذ يقول: (لم يفلح المطر مع الصبار/ ما زال يصافحنا بيد من شوك/ فذاكرته/ نبتت في الصحراء).
رغم ما يعيشه الشاعر من تحولات اجتماعية وزمكانية، فإن الحب عنده يبقى ثابتًا مهما توالت عليه الليالي والأنهر، فهو يؤنسن المكان ويمنحه قلبًا عتيق النبض، هكذا قصاصة حب تقول: (ما زال ينبض/ ذلك الحائط الذي مهرت به قلبي/ منذ عقدين/ وكلما اشتقت للحياة، مررت هناك).
اقرأ أيضًا قصيدتان من ديوان"دموع سِرقة".. للشاعر محمود رأفت
حداثة الرثاء
إبراهيم في رثاء الفقد ليس بكاءً ولا ندابًا، فهو لا يلطم وجه الحزن، ولا يشق ثوب القصيدة، إنما يستثير التخييل والتصوير بإيجازه الغرائبي المتقن الدهشة، ويقول الشعر دفعة واحدة.
(الليل الذي أسميته أبي/ فاجأني بدرب تبانة/ من الأيتام)، (غاب أبي فأظلم البيت/غابت أمي فغاب البيت).
الشاعر ابن بيئته
الشاعر ليس بمعزل عن الآخر، ولا يتوانى في التواشج مع عبق المكان، والبحث الدائم عن الذات المهدورة، يستحضر هاجسه الطللي، ويهيم على وجهه في خرائط الذكريات، وحينئذ الشاعر يتفاعل مع زمكانه القروي ليقبس أثرًا من الشعر، ويطعمه بمفردات بيئته مثل:
شوطي، عيش اللبن، يشخبها، عي، كمشة، واوا، شرية، هلهولة.. إلخ.
ويتجلى نتاج الشاعر بمورثات ثقافية محالة لمرجعية متأثرة بالقرآن الكريم، والسنة النبوية، والمتنبي والطغرائي والجواهري والمعري.
فالشاعر يسرح في براري الطفولة لترعى حروفه وتدر حليب المعنى، ويغني للماء وهو بكامل العطش، موظفًا تقنية الإيجاز والحذف من دون أن ينقص المشهد:
(أنا ربيع خراف/ تقضم عشب ضحكتها/ بأسنان اللبن/ أنا الولد المعبأ بخابية موليا/وخيط غناء يثرثره القصب....)، (لا بئر في المرعى/ لا بئر/ لا.../ ويخنقني العطش).
في الواقع لا يمكن الإحاطة بدائرة القول بشأن الديوان كله، ولا الإضاءة على كل تشعباته وفضاءاته، فالشعر لا تحاصره أصابع النقد لأنه حتمًا سيفلت، وقبل الختام أترك فسحةً للقارئ للتحليق مع هذه الأبيات الجميلة للشاعر:
اقرأ أيضًا البارودي ( 1838 – 1904 ) رائد الشعر في الأدب الحديث
أبيات شعرية جميلة للشاعر
نمتِ الطيورُ على حبال غسيلها
وهمى البكاء لفاقد القمصانِ
خمسٌ من الآهات تلمع في الضحى
تبكي الوصالَ لصاحب الطيرانِ
أمٌّ تراشقُ طيرها بسؤالها
عن صحبة الأطيار للصبيانِ
هل من ربيع في حياتي قادم
نشتم عودة ريحة الخلانِ
وتسالني .لمَ تسهر الليل
وأنتِ أولى بالجواب
فالشكاية واحدة
في الليل حريةٌ
وفي النهار حرّ
نبوح بويلنا ونرسل دمع المسافات
بريداً لقلوبٍ وعيون
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.