إن أدب الطفل فرع أصيل من فروع الأدب قديمٌ قِدمَ الإنسانية، حتى ما قبل عصور الكتابة والتدوين، فقد كانت الشفاهية وسيلةً في نقل الأحداث وترسيخ القيم والأخلاق بوصفها عنصرًا أساسيًا في تكوين المجتمعات والارتقاء بمنتسبيها، ومن ثم كان الطفل متلقيًا طيعًا في استقاء العلوم والآداب والأخلاقيات على هيئة قصص وحواديت وأغانٍ، وحضور أدب الطفل لم يكن حكرًا على أصحاب الفكر والثقافة بقدر ما هو أدب إنساني لمسناه بأنفسنا في حكايات الجدات، وروته الأمهات، مستمدًا من تراث شعبي أو متناصًا مع سير الصالحين وقصص القرآن.
وكان القصص الديني، وأبرزُه قصص الحيوان في القرآن الكريم، وأيضًا السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، قد حققا تقدمًا وحضورًا يسبقان الأشكال الأدبية الحديثة، سواء في الأدب الغربي أم العربي.
جذور أدب الطفل: من أوروبا إلى العالم العربي
لقد عرفت الآداب الأوروبية أدب الطفل في إرهاصاته الأولى في كتاب «الجيب الصغير الجميل»، الذي كتبه ونشره جون نيوبري، وهو أول كتاب حديث للأطفال، وكتاب «رحلات جوليفر» للكاتب جوناثان سويفت، و«روبنسون كروزو»، وهي قصة كتبها دانيال ديفو، و«أليس في بلاد العجائب» للكاتب لويس كارول، وذلك في اختزال شديد دون التطرق للسياق التاريخي، ومن بعدهم سرى أدب الطفل في الكثير من دول أوروبا متجاوزًا آفاقًا جديدة من الإبداع.
أما فيما يخص الأدب العربي حديثًا، فقد كانت البداية ضمن مشروع أدبي وثقافي قاده رواد التنوير مثل رفاعة الطهطاوي، أو من مجددي وباعثي الشعر والأدب مثل أحمد شوقي.
حتى تبلور أدب الطفل على أيدي مبدعين كبار خصصوا جل إبداعهم له، فكانوا روادًا مؤسسين، وهم على سبيل المثال كامل كيلاني الذي يعد الرائد الأول لأدب الطفل في مصر والعالم العربي، ثم يعقوب الشاروني وأحمد سويلم وعبد التواب يوسف، ولكل منهم سماته وأدواته ومشروعه المتكامل، وبالطبع غيرهم الكثير في مصر وجميع الدول العربية.
حنان إسماعيل: مشروع أدبي يتكئ على الأكاديمية والواقع
تنوع إنتاج الأديبة حنان إسماعيل الأدبي بين الرواية والقصة القصيرة والدراسات النقدية، وامتلكت قلمًا مخلصًا له خصوصية واستثنائية في أدب الطفل، نشأتا من دراسة أكاديمية لأدب الأطفال ومكتباتهم، وخلف مشروعها الأدبي تتجلى تجربة حياتية أصيلة امتزجت بالناس بجميع أعمارهم وفئاتهم وإطاراتهم الاجتماعية والثقافية، وتمثلت خبراتها الأكاديمية أيضًا في:
1- رسالة دكتوراه في العلوم الإنسانية البيئية، بمعهد البحوث والدراسات البيئية، جامعة عين شمس، نوفمبر 2017م، بعنوان: «إشباع الاحتياجات الاجتماعية والنفسية لساكني المجتمعات العمرانية الجديدة في ضوء مؤشرات جودة الحياة: دراسة حالة مدينة السادس من أكتوبر».
2- رسالة ماجستير في العلوم الإنسانية البيئية، معهد البيئة، جامعة عين شمس، مايو 2014م، بعنوان: «المجتمعات المُسَيَّجة في مصر: دراسة للمتغيرات الإيجابية والسلبية للاستيطان البشري، مدينة الرحاب نموذجًا».
وقد طافت خلال بحوثها بين فئات المجتمع وطبقاته المختلفة. لذا تنوع مشروعها الأدبي بين كتابات الكبار عامة والصغار. وتنوع إنتاجها للطفل، فشمل القصة والمسرحية والرواية، كما شمل نمرًا أراجوزية.
وقد أثرت الإنتاج الأدبي للطفل بالمعلومة والقيم والأخلاق والفكاهة بقلم حاضر.
ولم تقتصر على الإنتاج الورقي فقط، بل وصلت إلى الطفل بأسرع طريقة عن طريق السوشيال ميديا، فخصصت حسابات للطفل على تطبيق تيك توك وعلى تطبيق كواي، حرصًا منها على أن تدخل قلب الطفل بشتى الوسائل.
ولا يخفى على الجميع مشاركاتها المتميزة خلال لقاءات في برامج تلفزيونية وفعاليات المركز القومي لثقافة الطفل، وإصداراتها من الهيئة العامة للكتاب في إطار فوزها في عدد كبير من مسابقات النشر لأدب الطفل.

قراءة نقدية في مجموعة سمسم المزعج وحكايات أخرى
هي مجموعة قصصية من أعمال الكاتبة الموجهة للطفل، وأحسنت الكاتبة صنعًا بتحديد الشريحة العمرية الموجه إليها المحتوى: من 8 إلى 10 سنوات.
في ثلاث حكايات تدور أحداثها جميعًا حول الأرنب سمسم، لترسم الكاتبة فيه عالمًا خياليًا يعانق الواقع في رسالة قيمية تبثها بسلاسة ويسر وإتقان بين سطور كل حكاية، لتحمل كل حكاية قيمة أخلاقية مختلفة في محتوى أدبي راقٍ ومتكامل الأركان من سرد وحوار وفكرة، إضافة إلى الرسوم المعبرة جدًا عن الأحداث والشخصيات، بمهارة تُنسَب إلى الرسام الذي قرأ الأفكار والشخصيات جيدًا.
ملاحظة لغوية مهمة: ما زالت عبارة «نشأتا من دراسة أكاديمية لأدب الأطفال ومكتباتهم» سليمة نحويًا إذا كان المقصود أن «الخصوصية والاستثنائية» هما اللتان نشأتا عن الدراسة الأكاديمية. أما إذا أردت صياغة أكثر سلاسة وأعلى جودة أسلوبية، فيمكن أن تكون: «واكتسبت خصوصيةً واستثنائيةً في أدب الطفل نشأتا من دراسة أكاديمية لأدب الأطفال ومكتباتهم».
القصة الأولى: سمسم المزعج (احترام حدود الآخرين)
الفكرة من سياق العنوان هي فكرة الإزعاج كظاهرة سلبية يتسبب فيها سمسم، لتنطلق إلى فكرة أعم تحث على احترام الآخر وترسيخ قيمة الحرية، لتضع الكاتبة بين سطور القصة مبدأً: «إن حرية الفرد تنتهي عند حدود الآخرين».
وفي تجربة شخصية جدًّا، عندما قرأت القصة على ابني ذي الثمان سنوات، توقفنا معًا عند هذه الجملة، وصار يرددها بين إخوته وبين زملائه، عابرًا بأسطر القصة حدود الصفحات إلى الحياة اليومية، في تطبيق عملي لقيمة مثلى تأثر بها القارئ في هذه السن.
أفلحت الكاتبة في صناعة الحدث متكاملًا بين سمسم والأم وشخصية الجدة بكل قيمتها وتأثيرها المعهود، الذي يتشابه مع الواقع وما يكنه الحفدة للجدة من حب وتوقير.
إن ترسيخ مبدأ الجزاء من جنس العمل جاء سريعًا ضمن الأحداث، بإدراج العقاب، حتى صار سمسم يشعر بعمق التجربة والتفكر في رد فعل أصدقائه وجيرانه، ومن ثم حدثت الوقفة مع النفس وانجلت الحبكة التي يتحول فيها سمسم ويدرك قيمة احترام حرية الآخرين.
كل ذلك بواسطة لغة سلسلة يسمعها الطفل يوميًّا ويستطيع استيعابها بسهولة ويسر.
القصة الثانية: سمسم في صالة الألعاب الرياضية (التوظيف الصحيح للقوة)
القصة تدور في مفهوم القوة والتوظيف الخاطئ في استخدامها، وتتصاعد القصة بمستويات عدة لتصل إلى الفكرة المحورية، وهي فكرة حسن الاختيار وتوظيف إمكانيات الفرد البدنية فيما يناسبه من مهام ومهارات.
وتبرز فيها شخصية المدرب البنَّاء داخل صالة الألعاب، الذي نستعيد فيه دور المعلم التربوي والتعليمي، لنصل إلى ذروة تطبيق الفكرة في استعراض سمسم لقوته.
ومن ثم صدامه مع من حوله، لتعود فكرة احترام الآخر وحرياته فتلقي بظلالها من جديد، ولكن من منطلق آخر، وهو الاستخدام غير الأخلاقي للقوة في إيقاع الأذى بالآخرين.
وتظهر الجدة «أرنوبة هانم» كضمير حي تلوح ملامحه في الوقت المناسب جدًا لتحويل المسار وإيقاظ الوعي بالقيم المثلى، ثم إن الصورة الذهنية للجدة في نفسية القارئ أسهمت في حبكة الحوار وأثر الجدة المعنوي في الارتقاء بالطفل، وتلخص القصة في جملتها: «إن عليك أن تلعب الرياضة من أجل الحفاظ على صحتك والدفاع عن نفسك، وليس لظلم الآخرين».
وأفلحت الكاتبة في أنسنة شخصيات الرواية بأبطالها من الحيوانات، ببث أجواء إنسانية حياتية تجعل قراءة الطفل يسيرة في التلقي وتتماهى مع حياته وخلفيته المعرفية في تلك السن.
القصة الثالثة والأخيرة: سمسم والفصائل الأخرى (قبول الآخر)
إن روعة هذه القصة تكمن في الفكرة الإنسانية العامة التي تدعو لها، وهي التعايش وقبول الآخر. إن من أصعب التحديات التي تواجه المجتمعات، في ظل انفتاح إعلامي وتقارب بشري شديد بين البلاد والمجتمعات، ما دعا إلى إطلاق وصف: «إن العالم صار قرية صغيرة». ولكن هذه القرية من أعظم متطلباتها التعايش في سلام دون صدام بين الحضارات والثقافات والعرقيات والطوائف.
بواسطة سلالات الأرانب المستمدة من بيئة شخصية سمسم نفسها، لتسهيل التفاعل مع سن الشخصيات، جاءت الشخصيات كالتالي:
- الأرنب القاري العملاق بسماته البدنية الضخمة وحدَّةِ ذكائه.
- الأرنب الفلمنكي بطباعه الهادئة الوديعة.
- الأرنب الميني ريكس بضآلة حجمه وثقته بنفسه.
- الأرنب الأبيض ذو البقع السوداء بشكله المميز بالنقاط السوداء على أنفه وأذنه وذيله.

فاستطاعت الكاتبة أن تقدم أنماطًا متعددة في مقاربة مع أنماط المجتمع وما قد تعانيه بعض المجتمعات من التنمر بسبب اللون أو الجسد.
فأوصلت الكاتبة الفكرة للطفل بانسيابية، ومن خلال الجملة الأخيرة على لسان المعلم: «علينا أن نتغاضى عن الاختلاف ونقرب المسافات بينكم».
قد تكون الكاتبة أبرزت الجانب العلمي باستفاضة، أضافت فيها معلوماتٍ قيمةً للقارئ، ولكن ذلك لم يخدم فكرة القصة ذاتها إلا في نطاق محدود.
إبداع موازٍ: دور الرسم في اكتمال الصورة
استطاع الرسام عبد الرحمن بكر تقديم إبداعٍ موازٍ، فقد كانت الرسوم معبرة جدًّا عن الأحداث من دون أي وسائل إضافية أو كلمات تضاف على الرسم، وجاءت الرسوم معبرة بشدة عن الانفعالات الصادرة عن الشخصيات.
إن ممارسة نقد أدب الطفل تتطلب عينًا بصيرة تدرك حساسية المرحلة العمرية للمتلقي، في عصر الشاشات المفتوحة والمحتوى السريع، يصبح الانتقاء الدقيق للنصوص الأدبية، مثل مجموعة سمسم المزعج، خط الدفاع الأول ضد التشوه القيمي.
إن قدرة الكاتبة على صياغة قاعدة فلسفية مثل حريتك تنتهي عند حدود الآخرين في قالب حكائي ممتع وملائم لشريحة (8-10 سنوات)، يؤكد لنا أن الأدب الحقيقي هو الذي ينجح في القفز من بين صفحات الكتاب ليعيش كقناعة راسخة في السلوك اليومي للطفل.
ما هي أهمية أدب الطفل في غرس القيم؟
يؤدي أدب الطفل دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الأخلاقي والسلوكي المبكر. القصص الهادفة تقدم للطفل نماذج ومواقف حياتية يسهل عليه فهمها وتقليدها، مما يرسخ لديه قيمًا مثل الصدق، احترام الآخر، والتعاون بأسلوب ممتع بعيدًا عن الوعظ المباشر.
من رائد أدب الطفل في العالم العربي؟
يُعد الكاتب والمفكر المصري كامل كيلاني الرائد الأول والمؤسس الحقيقي لأدب الطفل في العالم العربي، حيث كرس حياته لتقديم أعمال أدبية متميزة للأطفال، وأسس «مكتبة الأطفال» التي ضمت روائع القصص العالمية والعربية المترجمة والمبسطة.
عن ماذا تتحدث مجموعة سمسم المزعج وحكايات أخرى؟
تتحدث المجموعة للكاتبة حنان إسماعيل عن مغامرات الأرنب سمسم، وتقدم عبر ثلاث قصص رسائل تربوية حول احترام حرية الآخرين، التوظيف الأخلاقي الصحيح للقوة، وأهمية التعايش وقبول الفصائل والاختلافات المتنوعة في المجتمع.
كيف أختار قصصًا مناسبة للأطفال من سن 8 إلى 10 سنوات؟
في هذا العمر، يبدأ الطفل في استيعاب المفاهيم المجردة والتفكير المنطقي. يُفضل اختيار قصص تحتوي على حبكة واضحة، شخصيات قادرة على التطور (مثل شخصية سمسم)، وتقدم رسائل أخلاقية غير مباشرة تفتح مجالًا للنقاش والتفكير الذاتي للطفل.
ما دور القصص في تعليم الطفل قبول الآخر والتسامح؟
تساعد القصص (خاصة قصص الحيوانات الرمزية) في تجسيد الاختلافات الشكلية والطباعية بأسلوب غير مهدد للطفل. رؤية الطفل لأبطال القصة وهم يتغلبون على اختلافاتهم ويتعايشون بسلام، يكسر لديه حاجز الخوف من المجهول ويحميه من سلوكيات التنمر.
في ختام هذه القراءة النقدية، نؤكد أن الاهتمام بأدب الطفل هو استثمار حقيقي في مستقبل الأجيال. إن الأعمال المتميزة مثل سمسم المزعج للكاتبة حنان إسماعيل لا تكتفي بملء أوقات فراغ أبنائنا، بل تزرع في وجدانهم مفاهيم عميقة حول احترام الحرية وقبول الآخر عند الأطفال. دورنا كآباء ومربين هو اختيار قصص أطفال هادفة لتكون رفيقة لأبنائنا في رحلة نموهم.
ما القصة التي تتذكرون أنها أثرت في تشكيل شخصيتكم في طفولتكم؟ شاركونا ذكرياتكم وآراءكم في قسم التعليقات!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.