جماليات القلق.. تحليل الخطاب الثقافي في رواية «كيميا» لوليد علاء الدين

قليلة هي الأعمال الإبداعية التي تستطيع تسريب خطابها الثقافي في ثنايا العمل كأنها جزء أساس من نسيجه، دون أن يشعر المتلقي بأي نتوء في بناء العمل، أو أي قصدية وعظية أو تنظيرية، ولعلنا ندَّعي أن رواية «كيميا» للكاتب المصري وليد علاء الدين واحدة من تلك الأعمال.

لم تتوقف الرواية عند انشغال المؤلف بالبحث عن قبر الفتاة «كيميا» -كما توحي بذلك تيمة الحكي الرئيسة فيها-، و«كيميا» ربيبة جلال الدين الرومي التي تزوجها شمس الدين التبريزي، كمعادل موضوعي للبحث عن كينونتها، وبذلك طرح عددًا من التساؤلات عن مصير عدد لا نهائي من الفتيات اللاتي استسلمن لأقدارهن التي رُسِمَت حدودها بواسطة غيرهن.

تتعدى الرواية -بالإعلاء من قيمة السؤال في ذاته- ذلك إلى تصدير خطاب ثقافي يرصد أشكال السلطة والنموذج الحضاري الإسلامي ونقده، وموقعه من المشروعات الحضارية التي مرت على العالم، إضافة إلى الإعلاء من قيمة السؤال في ذاته، دون ربطه بإجابات، فقد حرص وليد علاء الدين في هذه الرواية، وهي العمل الروائي الثاني له، على الاحتفاء بالمزج بين أكثر من نمط كتابي، مُصدِّرًا بعض الأطروحات النقدية في ثنايا الرواية، ليتضافر النمط والمضمون في تكوين الخطاب الثقافي الخاص الذي تبناه العمل.

وربما سنبدأ الإضاءة من العبارة المضيئة التي يقولها على لسان كيميا/ طيف كيميا: «بقدمين اثنتين، وخطوات كثيرة نقطع الطريق» صـ200، التي تتبدى من خلالها أهمية التساؤل كقيمة في ذاته، وتحرر السؤال من الزمن والمكان؛ كونه حقًا مشروعًا للجميع، ولعل هذا ما اتضح من رسمه للشخصيات الروائية بعناية، وما أضفاه إليها من تساؤلات ورؤى.

فانطلاقًا من شخصية علاء الدين ولد ابن جلال الدين الرومي، وحبيب كيميا، والمعادل لشخصية الراوي/ المؤلف في الزمن الماضي، يستطيع الإضاءة على محنة أصحاب الرأي، بصُنع توازٍ زمني بين الشخصيتين، مستلهِمًا التركيبة الثقافية لزمن الرومي، التي كانت قائمة على فكرة الاستقطاب التي لم تتغير إلى الآن على الرغم من اختلاف المسميات.

يقول على لسان علاء الدين ولد الذي يتمثل طيفه له ليحدثه: «صرتُ أنا العمل غير الصالح لمجرد أنني حاولتُ إنقاذ كيميا أخت روحي من السقوط في فخاخهم، صرتُ أنا (ليس من أهلك) فقط أنني وقفتُ أمام بطشهم وعبثهم بحبي لها وحبها لي، إن صرتُ عدوًا لهم، ينسبونني مرة للتكية الحنبلية ومرة لملاحدة قونية، ومرات يتهمونني بالجنون، فقط أنني لم أفرط في حقي في كيميا. يلهجون بالعشق ليل نهار، ويقتلون العاشق الصادق الوحيد بينهم».

إن الفضاء الذي يخلفه المعنى المطروح في المقطع السابق يمكن قراءة تجلياته في أزمنة عدة، وتصور إسقاطاته على أي زمن، وصولًا إلى زمننا هذا، فما «أصحاب التكية الحنبلية» إلا تأسيس مبدئي لحالة الاستقطاب والدخول في القطيع القائم على الاستقطاب الديني، وما «ملاحدة قونية» إلا تأسيس لتصورات ممتدة عمَّن كوَّنوا خصومة ما مع التراث الروحي والعقائدي للإنسان، حتى زمننا هذا.

وبطرح الضدين تتجلى أزمة علاء الدين ولد/ وليد علاء الدين في دفاعه عن حقه في تكوين موقف خاص بسبب تكوينه هو، وبفضل معطياته هو، ليصل إلى النتائج التي يطمئن إليها أو لا يصل، فالوصول الحتمي ليس غاية في ذاته كما هو الحال لدى كل ما هو سلفي «التكية الحنبلية»، وكذلك التهويم المقصود، والعيش في سلسلة من الشك السفسطائي «ملاحدة قونية»، ليس غرضًا في ذاته، وإنما الغرض هو التمسك بالحق «حق النظر/ التفكير».

وارتباط الخطاب الروائي هنا بإنتاج دلالات جديدة تشير إلى آفاق واعدة من النظر العقلي والرؤى المنهجية المعنية بفهم الواقع بآليات خطابية مختلفة، هو الذي مكَّن الرواية من إعادة طرح الأسئلة الخاصة بمدى مناسبة الهامش والمتن لما يحتويه كل منهما.

فمن خلال بحث الكاتب/ الراوي، فإن كيميا وهي التي تشغل بحكايتها الجزء الأكبر من متن الرواية هي الوحيدة التي لم يُعثر لها على قبر من شخصيات الرواية التي عايشت الرومي، في حين كان معلومًا للجميع أمكنة قبور جلال الدين الرومي وأولاده وأبرز تلامذته، فتنتصر الرواية بذلك لكيميا على من أرادوا طمس حكايتها، كونها نموذجًا لا نهائي على عدد غير معلوم من حكايات أصحاب الهامش التي طُمست لضخ الدماء في صنع أسطورة الشاعر الصوفي الأعظم.

وقد احتفت «كيميا» في بعض أداءاتها اللغوية بما هو إشاري، مع تضفيره فيما هو حكائي، فنجد أن الرواية -وهي تتبنى فكرة التساؤل عن المحرم والممنوع- تحتفي بفعلي «الطرق» و«النقر»، فالطرق والنقر هنا إنما هما طرق ونقر في جدار العقل الذي استقر فيه عدد من الثوابت التي باتت مع الوقت غير قابلة للمراجعة وإعادة القراءة، لتتخذ من أزمة الفتاة الصغيرة «كيميا» طريقًا ممهدًا لطرح تلك الأسئلة المهجورة.

فتراها زوجة شمس الدين الرومي إلهاءً مناسبًا لشمس الدين التبريزي الذي استولى على كل وجدان زوجها وجل وقته وفكره، وشغله عما سواه، فتوحي إليه بالزواج منها، بعد أن قرأت في عينيه الرغبة في ذلك.

سُجِّلَ فعل «الطَّرْق» في الرواية ثلاثة عشر حضورًا، ارتبطت كلها بفعل التفكير، تبدأ بنمط غير مباشر: «طرقاتٌ على باب الغرفة؛ كنتُ نسيتُ أمر عامل الصيانة. بدا لي الآن أن الغرفة ليست باردة... لعلها أقرب إلى السخونة!»، الرواية صـ10، وتنتهي بارتباطها بالفكرة في نمط إشاري مثل: «إن لم تكن على علم بالمكان؛ فسوف تحتار طويلًا في تفسير أصوات تلك الطرقات المكتومة التي تنطلق من كل الاتجاهات، كأنما هي نابعة من داخلك؛ تتتابع في إيقاع مدهش لا تستطيع معه تصديق أن صناع الشواهد هؤلاء لا يتبعون نوتة موسيقية واحدة...» الرواية صـ186.

وصولًا إلى ارتباط الفعل بفكرة التساؤل عن مصير كيميا في أحد تجلياته التساؤل عن مكان قبرها بنمط مباشر، مثل: «المكان الذي أقف بداخله، لو كان ضريحًا كبقية الأضرحة التي زرتها خلال جولتي السابقة... فلماذا أغلقوا بابه؟ طرق السؤال ذهني، فاقشعرت له أطراف جسدي» الرواية صـ212.

كذلك يتعدى خطاب الرواية إلى التساؤل عن مدى إمكانية نقد نماذج الإسلام الحضارية، وفي هذا الإطار تسجل الرواية انحيازًا لمنجز الشام الحضاري، بالإشارة الرهيفة التي تجلت في المقارنة بين نوعين من شجر العاج بشكليه السعودي والشامي، يقول: «على الطريق يتكرر وجود شجر العاج، سعودي عاجي، وتشامي عاجي»، كما قال السائق مفرقًا بين نوعين؛ أحدهما يحتفظ بكامل خضرته، في حين الآخر شجراته جرداء وجافة. الرواية صـ 117.

ثم يعود ليوضح القصد مرة أخرى بصورة أكثر تفصيلًا، إذ يصف في موطن آخر شجر العاج الشامي بأنه: «جذع رشيق فاتح اللون ينطلق من الأرض بانسيابية، ثم ينفرج إلى غصنين اثنين لا أكثر؛ أحدهما إلى اليمين والآخر إلى اليسار. كأنهما ذراعا إنسان مبتهج يهلل معبرًا عن فرحه، أو عابد يبتهل بشوق إلى إلهه، أو كأنهما ذراعا راقص مولويٍّ منهمك»، ثم يصف شجرة العاج السعودي بأنها: «فعلًا مختلفة، ليست هي. حتى إنَّ السائق نفسه قال إنه لا يعرف لها اسمًا. إنها: «بس عاجي»، يعني مجرد أشجار». الرواية صـ 121.

وكذلك يتساءل هذا الخطاب الروائي الحيوي عن النموذجين السعودي (الوهابي الجامد) بتصوراته الفقيرة، والتركي (العثماني العسكري) الذي تعامل مع فكرة الدين ببرجماتية شديدة، وتفكيك بعض مفرداتهما كمحاولتين لتجسيد صورة موقع المشروع الإسلامي بين المشروعات الحضارية العالمية، والاعتراض على التنميط والنمذجة.

يقول: «قصة اللون الأخضر تحتاج إلى دراسة. لا بد أن العثمانيين ابتكروها، كما ابتكروا رمز الهلال، ثم أضافوا إليه النجمة بعد ذلك. الأتراك ركبوا ظهر الإسلام وغزوا العالم باسم الخلافة، ولم يتنازلوا عن لغتهم ولو لمصلحة لغة القرآن، ولم يرتدوا الجلاليب القصيرة أو يحملوا السواك». الرواية صـ 73.

وكذلك اتخاذ الرواية موقفًا واضحًا من التشويه الذي لحق بكنيسة آيا صوفيا، كونها منجزًا حضاريًّا جماليًّا بالأساس، «كنيسة آيا صوفيا نموذجًا»، بدءًا من تحويلها على يد محمد الفاتح إلى مسجد، واستقرارها في وعي العوام من الأتراك بأنها مسجد آيا صوفيا، حتى تحويلها إلى متحف عام 1935، مرورًا بقصة بنائها الأصلية كنيسة، والمجهود المعماري الجبار الذي بُذل فيها (بتصرف من صـ 26).

ولعل آليات الكتابة التي ارتضتها الرواية، من ناحية الاشتباك مع آليات كتابة مختلفة (أدب الرحلةرواية تاريخية/ رواية نفسية/ رواية وقائعية/ رواية فانتازية)، والوقوف على الحافة من كل نمط من هذه الأنماط الكتابية، حتى إن الرواية وصلت من الجرأة إلى طرح بعض الأطروحات النقدية؛ فالقلق الدائم المولِّد للتساؤلات هو الأيقونة في خطاب الرواية النفسي والفكري، وهو ما يفسر وجود هذه الأطروحات.

تطرح الرواية أفكارًا نقدية عدة، مثل الاهتمام بالتناول الفني لا بالمعنى الأولي، وذلك بإشارة الرواية في صفحاتها الأولى إلى رواية «بنت مولانا»: «بدأتُ أنتبه؛ سقطتُ في النوم أمس خلال انهماكي في قراءة رواية «بنت مولانا». أذكر تمامًا مرارة الغصة التي انتابتني وأنا أتابع رحيل «كيميا»، على الرغم من أنها المرة الثالثة التي أقرأ فيها هذا النص المرهف». صـ 9.

وكذلك رأيه في منجز جلال الدين الرومي الشاعر الذي تكوَّن قطًعا باستقرائه لشعره الذي سجله في مواضع عدة، كان أبرزها في الصفحتين (160 و161)، وهو رأي موضوعي إلى حد بعيد خالٍ من المبالغة في قيمة إرث الرجل أو المبالغة في الإجحاف بحقه.

والانشغال بأسئلة الزمان والمكان، من ناحية كونه انشغالًا فلسفيًا بالأساس، يطرح مرة أخرى مدى مناسبة المكونات الفكرية لزمان ومكان معينين مقارنةً بزماننا ومكاننا نحن، وصلاحية طرح الأسئلة ذاتها حول إعمال العقل، بمراعاة أن التاريخ لا يختلف كثيرًا عن حكاية اليوم، بل يتوقف دوره عند الاستعداد لروايتها فيما بعد.

فنجده يقول: «منشغلًا عن الرومي ومتحفه، اندمجتُ في مراقبة الناس. أدركتُ أن المكان أبدًا ليس مكانًا واحدًا، إنه أمكنة تتعدد وتختلف بتعددنا واختلافنا»، وكذلك يمكننا أن نقرأ: «كانت الأسماء تتداعى إلى ذهني، كلهم كانوا أجسادًا عاشت هنا ذات يوم، ربما وقف أحدهم مكاني هنا قبل ثمانمائة سنة... أكثر... أقل! لا يهم الزمن؛ المكان يختزل الأزمنة ولا ينفيها، وإلا فكيف نستحضرها؟».

وكذلك تسير أطروحات الرواية وتصوراتها عن المكان والزمان التي وردت في صفحات (34، 35، 55، 55، 57، 117...)، وكذلك تصوراتها عن فكرة الزمان (صفحات 35، 55، 112، 133، 163، 165، 215، 220)، وهي غير منفصلة في بعض أحوالها عن تصورات الرواية عن المكان.

لكن على الرغم من انشغال الرواية بناتج معرفي قائم على بحث، بل على جهد كبير، وعلى الرغم من احتفائها بإشارية اللغة؛ فإنها وقعت في بعض التفصيل الذي مثَّل عبئًا على المساحة السردية للنص، ومن ذلك وصف الأشجار السعودية والشامية، وتوزيع الإشارات إلى تركيا في أزمنتها المختلفة، بما لم يضف جديدًا في بعض الأحوال.

لكنه في النهاية اختيار الكاتب، الذي ربما اختار الوصول إلى كم كبير من القراء لتوصيل هذا المنتج السردي المفعم بجماليات قلقة، على غير الحال في عمله الأول «ابن القبطية» الذي انحاز فيه إلى التكثيف والتجريب دون حسابات أخرى.

في النهاية، تبقى رواية «كيميا» -في ظني- الرواية التي حققت هذه المعادلة في تحقيق انتشار واسع، دون التنازل عن روح تجريبية مغامرة اعتمدت على مزج أكثر من أسلوب كتابي، وحملت على عاتقها تصدير نتائج بحث معرفي ضخم، يُعنى بتقديم نظرة أخرى للمتصوفة، وقضايا المرأة منذ القديم، وموقع الإسلام من الحضارة العالمية، بإطار رؤيوي يتسع لذلك كله تحت عنوان رئيس هو: (الإعلاء من قيمة السؤال).

ويبقى وليد علاء الدين مصرًّا على اختياره السير في طريق التجريب الوعر، متحسسًا علاماته بوعي كبير عملًا بعد عمل، بعد روايته الأولى «ابن القبطية» التي تفاعل فيها مع آليات كتابة مسرحية، إضافة إلى الاعتناء بالرسم واللون والحركة والرقص، وكذلك تضمين نصوص شعرية، وتقطير التجربة في النهاية كلها فيما يشبه إبيجرامات خاطفة باذخة في دلالتها في نهاية الرواية، وارتباط ذلك كله بخطاب الرواية الثقافي الرئيس (البحث في هوية مصر).

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة