قراءة في كتاب نهاية العالم كما نعرفه " نحو علم اجتماعي للقرن الحادي والعشرين"

هذا الكتاب يدور حول موضوعين الأول هو أن النظام بأكمله، الذي نحن جزء منه، يمر حاليًا بمرحلته الأخيرة من حياته، وهو بالتأكيد يمر بمرحلة ما من الانتقال إلى مستقبل غير مؤكد تمامًا. أما المشكلة الثانية، فهي أن الأساليب التي استخدمنا بها لتخيل عالمنا، والطريقة التي نفكر بها، تواجه اليوم تحديًا أساسيًا. إذا أردنا التفكير في الغوص في المرحلة الانتقالية التي يمر بها هذا النظام العالمي، فنحن بحاجة إلى فهم كامل لأحد جوانب القضايا المعرفية الأساسية التي لدينا.

 

لا شك في أن سكان البلدان الناطقة بالعربية، وكذلك سكان أجزاء أخرى من العالم، سيسعدون بسماع رأيي بأن النظام العالمي الحالي، الذي يتسم بشدة القهر وعدم المساواة ومن الاستقطاب، لن يستمر طويلاً. هذه بالتأكيد أخبار جيدة. ومع ذلك فإن الجانب الآخر من السؤال يوضح لنا أننا، نتيجة لذلك، نشهد صراعًا سياسيًا عالميًا كبيرًا حول نوع النموذج الذي نحتاجه لاستبدال النموذج الحالي.

 

الجواب في البشارة بين. يمكننا التحرك نحو عالم أكثر ديمقراطية ومساواة، ولكن من ناحية أخرى، يمكننا التحرك نحو نظام عالمي جديد أسوأ مما نحن عليه.

 

رأيي في منتصف الطريق بين هذا وذاك. كل هذا يتوقف علينا وعلى طبيعة العمل الأخلاقي والسياسي الذي نتخذه، بشكل فردي وجماعي. أولئك الذين يريدون استبدال النظام الحالي بنظام مماثل، إن لم يكن أسوأ، هم أقوياء لدرجة أنهم لا يترددون في استخدام كل قوتهم وأسلحتهم وأموالهم وخداعهم لإعادة إنتاج المخطط الهرمي المستغل الذي نعاني منه حاليًا. نظام له نفس الخصائص، وإن كان في أشكال مختلفة أخرى..

 

لتحقيق هذا الهدف، وهو سياق عالمي أفضل وأفضل مما نحن عليه الآن، يتطلب أكثر من مجرد إرادة سياسية. إنه يتطلب وضوحًا فكريًا حول الخيارات الحقيقية التي نتخذها اليوم وغدًا. وهنا نأتي إلى الموضوع الثاني الذي تم تناوله في هذا الكتاب: كيفية تصور الواقع الاجتماعي وكيفية تعميق فهمنا لكيفية عمل العالم.

 

ونحن، في إنجاز هذه المهمة، ما زلنا في المرحلة الأولية. نسلط الضوء في هذا الكتاب على أهمية نوعين جديدين من الحركات الفكرية التي ظهرت على مدى العقود الثلاثة الماضية - علم التراكب - والدراسات الثقافية. ستكون حجتي أن كل واحد منهم، بطريقته الخاصة، ومن قلب العلوم الطبيعية والإنسانية، شكل تحديًا للمرأة المسلمة التي استندت إليها نظمنا المعرفية على مدار القرنين الماضيين، وهي: وجود ثقافتين، إحداهما مختلفة تمامًا عن الأخرى وتتعارض بشكل أساسي مع بعضها البعض. سأحاول إظهار المسارات التي تسلكها هذه الحركات الفكرية نحو الوحدة المعرفية للعلم بالمعنى الواسع.

 

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الجدل العلمي بعيدًا عن المعارك المترابطة التي خاضها العالم الناطق بالعربية، بل بعيدًا عن المعارك التي تدور في أجزاء أخرى من العالم. ومع ذلك، لا أعتقد ذلك، فنحن نسعى جاهدين لتحقيق الوضوح الفكري الذي نحتاجه جميعًا لخوض المعارك الأخلاقية والسياسية في عصرنا بنجاح.

 

أعتقد أن النصف الأول من القرن الحادي والعشرين سيكون أكثر صعوبة، وأكثر تشويشًا، ولكنه أكثر انفتاحًا من أي وقت في القرن العشرين. أقول هذا على أساس ثلاث بديهيات لا أستطيع مناقشتها هنا. الأول هو أن الأنظمة التاريخية، مثل جميع الأنظمة، لها أعمار محدودة. إنها بداية، تليها فترة طويلة من التطور، ثم تموت أخيرًا بعد الابتعاد عن نقطة التوازن والوصول إلى حدود التفرع والانقراض. الفرضية الثانية هي أن هناك شيئين معينين حول هذه التشعبات: المدخلات الصغيرة تؤدي إلى مخرجات كبيرة (على عكس المراحل العادية لتطوير التنسيق، عندما تؤدي المدخلات الكبيرة إلى مخرجات صغيرة)؛ النتيجة النهائية لهذه التشعبات هي أساسًا غير محددة أو معروفة مسبقًا.

أما البديهية الثالثة، فهي أن النظام العالمي المعاصر، كنظام تاريخي، دخل في أزمة محتضرة، ومن غير المرجح أن يبقى في مكانه خلال خمسين عامًا. على الرغم من ذلك، وعلى الرغم من أن نتيجته النهائية غير مؤكدة، إلا أننا لا نعرف ما إذا كان النموذج (أو التنسيقات) التي ستأتي منه سيكون أفضل أم أسوأ من النموذج الذي نعيش فيه الآن. ومع ذلك، نحن نعلم على وجه اليقين أن المرحلة الانتقالية ستكون صعبة ومليئة بالمشاكل، لأن المخاطر في هذه الفترة الانتقالية كبيرة ونتائجها غامضة للغاية، وقدرة المدخلات الصغيرة على التأثير على المخرجات كبيرة، كل أنظمة التشغيل.

 

المعارك السياسية، وكذلك المعارك التي تدور في ساحة نظم المعرفة، لا تقتصر على أي جزء من العالم. هذه معارك تجري في جميع أنحاء العالم، وتساعد جميع مناطق العالم على ضمان خوضها بأفضل طريقة. هذا ما يدعوني لقراءة هذا الكتاب باللغة العربية، على أمل أن يتردد صدى أصداءه في البلدان الناطقة بالعربية، وأن يسهم في المناقشات الجارية هناك. آمل أيضًا أن تصبح دول العالم الأخرى أكثر وعيًا بالمناقشات الجارية في الوقت الحالي حتى يدخل الجميع معًا في ساحة النضال.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية