قراءة في كتاب مناهج النقد الأدبي الحديث

النقد الأدبي نشاط فكري مهم، وأي عمل أدبي ضروري، لأن الأدب لا يستغني عن خطاب يوضحه أو يعلق عليه أو يظهر قيمته أو يكشف أسراره.

وهو ما ينحصر أحيانًا في النقد - في القديم والحديث - إلا لظلم الناقد وإساءة حكمه، أو غموض ما يقوله، بحيث لا الخالق ولا المتلقي، ولا بسبب سيطرته ورؤيته المتجانسة للعمل الأدبي، هي رؤية تؤدي إلى إفقاره.

وقد يكون محنته بسبب المبالغة في تقدير دوره، أو رؤيته - في بعض الأحيان - كنوع من الإبداع التحليلي، على سبيل المثال، لا يقل أهمية عن الأدب الحقيقي، وهو إبداع تركيبي أو اصطناعي. .

وهي آفات أصاب نقدها قديماً وفي الأحاديث، لكنها أصابتنا في أيامنا هذه الآلام والألم.

ومع ذلك، فإن النقد - حتى لو سئم الناس من الخير أو السيئ - هو نشاط فكري لا غنى عنه في جميع جوانب الحياة، فهو معيار دفع وتقييم ومراجعة لأي مسار للمعرفة. .

وليس صحيحاً ما قاله مونتسكيو من إن المنتقدين مثل الجنرالات الفاشلين الذين لا يستطيعون غزو بلد ما وتلويث مياهه.

ولكن النقد الأدبي الحديث اليوم - وهو النقد الغربي - في أزمة مع الأسباب التي ذكرناها والعديد من الأشياء الأخرى التي سنذكرها في هذا الكتاب، متذمرين من عبثية البعض. ومن عقلانيتها وغطرستها وديكتاتوريتها وخطاباتها وتشكو من غموضها وعدم تأثيرها وفائدتها وعدم وجودها. من روايتها اللفظية العبثية، وتزييفها للنصوص ودلالاتها، وتغريبها يشتكي تلاميذ المعرفة، بل يشتكون من معلميهم المتخصصين أنفسهم.

وأما ما يسمى ب الناقد العربي الحديث، فقد ورثت عن النقد الغربي الذي يقلد سنته متبعة حيلة بملعقة من كل هذه الآفات، وحملت عليها العديد من الروابط التي نتجت عن:

1 - أن هذا النقد النموذجي هو نتاج فكر غربي منبثق من حضارة غير حضارتنا، وبالتالي فإن الخلود ملوث بشكل بديهي بالرؤى والتصورات والفلسفات التي تتعارض مع رؤيتنا وتصوراتنا الإسلامية والعربية.

2- أن هذا النقد الغربي مستمد من الأدب الغربي، وهو أدب ذو نكهة ومذاق ومضمون ورؤية فنية، وكثير منها يخالف ما هو معروف في أدبنا العربي والإسلامي.

3- أن العيش على مائدة الآخر نوع من الاختفاء فيه، والغرق في فمه من التراب أمامه، والاستمتاع به. وفي كل هذا ما لا يناسب حق المعتقد أو الهوية أو الكرامة الإنسانية.

4- العبادة في محاريب هذا الفكر الغربي وحده - حتى لو كانت جيدة، والشيء نفسه إلى حد كبير - والاكتفاء بالاجترار فيه أو التقليد به، هو قتل روح الإبداع فينا وتشجيع النسخ والإدمان. التقليد يقتل دائما ملكة الفكر والقفز، ولن تشرق شمس الحضارة العربية الإسلامية ما لم تلبس عباءة الآباء وتخلع عباءة الغرباء.

وإن هذه الأمور والمشكلات، وغيرها الكثير، ليست مثقفة مع بعضها البعض، ولا يستطيع أي عاقل أن يقاومها، ولا يحرم إلا الأحمق. إن فتح النوافذ أمام الأفكار والثقافات والتسميات الأخرى أمر ضروري أكثر من الواجب ومرغوب فيه أكثر مما هو مرغوب فيه، وهو يحدث - على الأقل - هذه الأيام، سواء أحببنا ذلك أم لا، ولكن كل الفكر الذي يأتي إلينا، وكل هبة من الثقافة تعطى لنا، ويجب أن تدخل في مصفاة الهوية، إنها مرشح العقيدة الإسلامية: الفكر والذوق والفن واللغة، ليفصل بيننا ما هو يؤخذ وما يتبقى، ما يختار وما يترك.

ويتضمن هذا الكتاب نوعين من المناهج النقدية الغربية الحديثة: أحدهما هو البرامج النقدية التي أصبحت - في نظر البعض - البرامج التقليدية القديمة والبرامج الأحدث التي ظهرت من القرن العشرين، نحن نسمي المقاربات الحداثية وما بعد الحداثة أو البنيوية وما بعد البنيوية.

وهذه الثانية كانت ثورة على الأولى، وانقلابًا على الثانية، فقد اعتبرتها مقاربات تتعامل مع النص الأدبي للأجنبي، مع الانتباه إلى ملاءمته، وظروف أصله، والتاريخ والظروف الاجتماعية والسياسية والنفسية وغيرها، لكنها لا تولي اهتماما بلغة الأدب وخصائصه الجمالية والفنية. أو الاهتمام الكافي على الأقل، وكأنه يتوقف عند العرض ويهمل الجوهر.

ولذلك، تميل المقاربات النقدية الحداثية وما بعد الحداثة إلى أن تكون مادية بحتة في التعامل مع الأدب ونقده، حيث رأوه فقط شكلاً لُغَوِيًّا وَجَمَالِيًّا. لم تعد مُهْتَمًّا بالقيم أو المثل أو الفلسفة أو الفكر الذي يقدمه النص الأدبي، ولم تعد تتساءل عن وظيفته ودوره وارتباطه بالمجتمع والناس والحياة.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية