قراءة في كتاب " سوبر تخلف"

لاشك ان العنوان يمثل عتبه مفضية الى النص، وهذا العنوان يقوم على احداث الترويع والصدمة، لانه يمنح التخلف سمه هي كونه ((سوبر)) لاحداث المفارقة واعطاء التوصيف الاثر المفاجئ للمتلقي.

وقد اشار الباحث الى هذا: استخدم مفهوم 'السوبر' كي اميز هذا المشروع عن المشاريع الاخرى. فالسوبر اصولية تختلف عن الاصولية. والسوبر حداثة تختلف عن الحداثة وما بعد الحداثة، والسوبر مستقبلية تختلف عن المستقبلية. السوبر حداثة تدرس الاكوان الممكنة. واذا نظرنا الى الاكوان الممكنة مجتمعة ولكونها مختلفة عن بعضها ستغدو حقائقها غير محددة. لذا تعتمد السوبر حداثة على اللا محدد من اجل الوصول الى المعرفة. فبينما الحداثة تقول ان الكون محدد ولذا من الممكن معرفته، تعتبر ما بعد الحداثة ان الكون غير محدد ولذا من غير الممكن معرفته. اما السوبر حداثة فتؤكد على انه على الرغم من لا محدديه الكون من الممكن معرفته لأن من خلال لا محدديته نتمكن من تفسيره. هكذا تختلف السوبر حداثة عن الحداثة وما بعد الحداثة. اما السوبر مستقبلية فتعتبر أن الماهيات محددة في المستقبل فقط، ولذا تقدم التفاسير وتحلل المفاهيم من خلال المستقبل. هذا يعني ان السوبر مستقبلية تدرس الحاضر والماضي من خلال المستقبل على عكس ما تقوم به المستقبلية التي تحاول التنبؤ بالمستقبل من خلال ما يجري في الحاضر وما جرى في الماضي. بالنسبة إلى السوبر مستقبلية التاريخ يبدأ من المستقبل:

 

لقد كان الباحث خلال تلك المفاهيم والتوصيفات في كتاب (( سوبر تخلف )) –موضوع هذه القراءة- صادم في اماكن الا انه في اماكن اخرى انهارت ادواته دون بلوغ المراد ، والسبب هي ذات المفاهيم التي اراد توظيفها في مكان كانت صالحة له الا انها لم تكن كذلك في مكان اخر.

هذا ماسوف نكشفه من خلال عرضنا لموضوعات برع الكاتب في احداث الصدمة والترويع فيها الى حد اثار الشجون احيانا، فهو يبدا تدوينه بـ ( السوبر تخلف ) فيقول : " الشعب المتخلف هو الشعب الذي لاينتج ماهو مفيد للبشرية وللعالم، اما الشعب السوبر متخلف فهو الشعب الذي يطور التخلف  ، وذلك من خلال تقديم الجهل على انه علم، ويضع هذا القول في معادلة او هكذا تبدو ( التخلف = التكنولوجيا /العلم ) اذ يؤكد انه مع نقص العلوم وزيادة التكنولوجيا يزداد التخلف.

انه يريد القول ان الاستهلاك التقني مقابل الجهل بالفكر العلمي الذي انتج تلك التقنية، دليل تخلف ، الا انه يضع معالجة مفادها: مع نقص التكنولوجيا بشكل هائل وازدياد العلم بشكل كبير سوف ينقص التخلف وبذلك يحدث التطور؛ الا انه يتحول من سياق المقارنة بين العلم والفلسفة والدين الى الصراع والقمع والمجتمع والارهاب والعدالة والفقر والانسان والحياة أي يتحول من ساق المعرفه الى الاجتماع والقيم ويرحل معه تلك الاحكام التي تمركز فيها على اتخاذ العلم بوصفه سفينة نجاه!

فيقول في في مضمار الصراع = المحدد / اللامحدد، ومفاد هذه الصورة ان جمود الهوية يجعل الصراع حاضرا واما ان ياخذ الصراع طابعا ثقافيا وحضاريا بحيث يبدو الصراع  وكانه صراع بين الاديان والحضارات والدول والطبقات والقوميات. ويعلل هذا  بالقول ان الصراع يعتمد علينا لاننا نحن من نحدد هوياتنا على اساس حضارتنا او قوميتنا او ديننا ،ويجعل من اللاهوية أي اللامحدد بابا للانفتاح / اللامحدد هو طريقنا الى السلام، اما المحدد فطريقنا الى الحرب والجحيم .

وعلى هذه القاعدة تبزغ قاعدة منطقية صورية اخرى: الدولة والمجتمع ن الرد والقمع، وكانه يؤكد في ظل المحدد / او الهوية يزداد القمع لان القمع لديه يزداد في ظل توسع الدوله وزيادة تماسك المجتمع حيث يزداد القمع بزيادة القوة. فهو يقف عند ( العلم ) بقوه العلم = الفلسفة / الدين.

وهذا الرابطة بالعلم الذي بازديادة يقل التخلف بمعادلة اخرى هي ان مع زيادة الدين ونقصان الفلسفة سوف ينقص العلم والعكس صحيح أي ان العلم يزداد ويتطور مع زيادة الفلسفة ونقصان الدين.

وهو هنا لا يقدم لنا ملامح الفلسفة ولامقياسه الذي يعتمد وكانه يريد القول بازدياد الاعتماد على العقل يتطور العلم . أي من حيث ادوات المعرفة.

في وقت يقف عند ظاهرة العنف = التكنولوجيا / العلم، ويصدر حكما مفاده انه كلما زاد العلم نقص العنف ، ويعلل هذا بالقول لانجد العلماء وعلى مر التاريخ يدعون الى العنف.

بالمقابل يؤكد ان طبقة السياسيين في الغرب والشرق كونها ليست طبقة علماء تسعى الى اقصى درجة من تحقيق العنف، دون تبرير يعزز هذا الحكم باخر يقول فيه: نجد ان الشعوب او الجماعات التي تملك التكنولوجيا وقليلا من العلم تغدو عنيفة وارهابية.

لهذا يخلص الى نتيجة: اما تطور علمي  من دون تكنولوجيا وقليلا من العلم تغدو عنيفة وارهابية.

لهذا ايضا يسعى الى نتيجة اخرى عن مقدمة صورية: "لابد من اما تطور علمي من دون تكنولوجيا متطورة واما تطور علمي وتكنولوجيا متواز بحيث مالك العلم يغدو مالك التكنولوجيا."

اما في  مقوله "الاستعمار والطغيان" فانه يرجع الاستعمار والطغيان بوصفهما ظاهرتين تعودان معا الى تخلف المجتمع وغياب العداله وهو تعليل تنويري يربط الفعل السياسي بعامل التنوير الفردي ، من خلال اتخاذه التخلف السبب المباشر. رغم ان هناك اسباب كثيرة، الا انه يغض النظر وهو هنا يردد مقوله الكواكبي وطابعها التنويري .

اما مقوله الارهاب فهي ذات صلة بما سبق من المقولات وان عرضها بشكل منفصل الا انها صوريا مرتبطة بما سبق، حيث ما تزال مقوله التخلف وغياب العدالة سببا في صياغة مقولة الارهاب = استحالة الحرب اللا تقليدية / العدالة.

هنا مع قلة العدالة بفعل العدوان وقلة الامكانيات للمواجهة العسكرية يظهر الارهاب بوصفة ممارسة وليدة تلك الظروف التي يبرزها في العدوان الغربي الاسرائيلي يزداد الارهاب.

فالعداله بوصفها احدى الاسباب التي هي بنظره تتمثل في ارتفاع درجة الحرية وحقوق الفرد المختلفة ونقصان الفرد ولاعدالة من دون انسانية الانسان فغناه وحريته وحقوقة. وهكذا يمضي تحليلة الظواهر الأجتماعية. وقد أخذ يعلل كيف تزداد الدولة بزيادة تماسك المجتمع من خلال ازدياد المحدد / أي الهوية.

 ألا أنه يضنع مقابل هذا اللامحدد اللاهوية  بقوله:

حين ينقسم المجتمع الى جماعات والدولة الى مؤسسات مختلفة كالمؤسسة التشريعية والتنفيذية والقضائية ينقص القمع وتتحقق درجة من الديمقراطية

ولا تدري كيف توصل الى هذه الصياغة: هل الدولة الديمقراطية غير المتماسكة أو الضعيفة يقل فيها العنف والقمع وتزداد الديمقراطية ألا أننا يمكن صوغ القضية بالشكل التالي:

 في ظل توزيع السلطة الأجتماعية والسلطة السياسية على جهات متعددة تتعدد مصادر القرار أي يقل احتكار السلطة وتزاد في الوقت عينه الرقابة التشريعية على السلطة التنفيذية وهذا سوف يساهم في نقصان القمع بوصفه اختراقا للقانون والأخلاق .

 لكن هذه ديمقراطيات في الداخل ودول مهيمنة استعمارية في الخارج؟ ألا أنه يبني هذه التصورات السابفة على نماذج غربية أما الواقع العربي فهو خارج النمذجه لان "الفرد زال منا بسبب القمع الممارس علينا من ظلم مما يدعى دولنا ومجتمعاتنا"

التحويل : أذا ما تعاملنا مع النص الذي يقدمه "حسين عجمي" على سبيل التحليل والنسخ والاستثمار والتحويل والتوظيف، نجد أنفسنا إزاء توصيف يعزل الخطاب الإيديولوجي عن الخطاب الابتمولوجي من ناحية عندما يقرر اختلاف فكري وقيمي بين العالم السياسي في النوايا والتوجهات نحو السلم والتحضير، ألا أننا سوف نجد هناك ترابط من ناحية ثانية بين الايديولوجيا وبينه إخفاقها في علاقتها بالعلم.

بمعنى أن الهوية المنغلقة المعززة بقلة التطور العلمي مع مبالغة بالتقنية سوف تخلق فجوة، وهذا قد نلمس اثارة في عالمنا العربي فرغم تقدم التقنية الا ان الرؤية العلمية النقدية متبخرة وقد حلت محلها تصورات إيديولوجية دوغمائية  تصادر على المطلوب وتقدم توصيف يتسم بالثبات بوصفه حقيقة جوهرية . وبالتالي تغدو تلك الايديولوجيا هي العين التي تسيغ المعنى الاحادي  على عالمنا وكلما ازدادت هذه الايديولوجيا هيمنة صادرة المعنى وأدخلتنا في العوالم المستحيلة المتناقضة اليوتوبيا التخيلية التي تحولت الى عالم مستحيل ضمن حدود العالم اليوم.

الا انها باغترابها هذا تمارس تصدير ازمتها نحو الخارج خارج عالمها وافكارها الثابتة.

رغم انها تعتمد على هذا الخارج في كل شيء يتعلق بعالمها الحقيقي الذي تنفيه وتعمل على تبخيسة لانه عالم متغير مقابل ماهو ثابت ولانه ناقص ماهو كامل.

ان هذه الرؤية التي تتحكم في دعاة الهوية الثابتة الجوهرية تقود الى الانفلاق الذي يدخلنا في نسق مملئ من القطعيات او الحقائق المطلقة التي لاياتيها الباطل...

الا اننا نلمس ان الاخر يمارس فعالية اخرى انه يستثمر هذا العالم وامكانياته في تعزيز الهيمنه وتبرير الحروب الكونية باليات بائسة تقوم على شرعية الحرب واهدافها السامية التي تزرع العدو المتخلف الذي صنعه العقل الغربي ضمن عوالم ممكنه او داخل عوالم متخيله يصدر ازمته ويعيد بناء مشاريعة في الوجود والفكر على اساس وجود عدو متخيلة.. وان على الغرب ان يقوم بالرساله من اجل خلاص الكوكب..

انها فعاليه اخرى اكثر تكوين ]ارهاب دولي رسمي = زيادة الهيمنة / العدالة[ من خلال سرديات اسطورية لما بعد الحداثة في هجانه فريدة.

 

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة