سلمى..
هُنا حيثُ أنفاسُكِ الخضراء
المُعتَّقةُ في خابياتِ السَّماء
تمتدُّ البيادرُ
لتُخضِّبَ زهرَ الحنُّونِ الحزينِ بحنَّاءِ حنينِها
إنَّهُ الوطنُ ترسُمُهُ ريشةُ بهجتِك
وسْطَ قُيودِ السَّنابل وجنازةِ الأشجار
نجِدُهُ مُتهجِّدًا خاشعًا صوبَ قِبلةِ أناملِك
لا تقولي .. ذبحْتَ السُّنونو بسكِّينِ صفصافِك
وتركتَ ريشَها يسَّاقطُ على أغصانِك
وأنتِ التي قُلتِ لي
كُلَّما جُبْتَ بقناديلِ رُؤاكَ كبَّرَتِ السَّنابل
سَمَتِ القدسُ بشآبيبِ مطرِك
تحرَّرَتْ سُفُوحُ غُروبِها على قِمَمِ شُروقِك
شمَخَتْ برأسِها القصيدةُ على أقدامِ "بيسان"
والتَقَيْنا في غُربةِ الياسمينِ وذاكرةِ البَيْلَسان
**********
أنا يا شاعري لا أصومُ عن خمْرَةِ حرفِك
ولا أُجيدُ سوى الغَوْصِ في أبجديَّاتِ وجْدِك
يااا أنتَ .. يا المُترعُ بحُرْقَةِ الحِكايات
والمُضمَّخُ بشَقْوَةِ القصيدة
يا قُبْلةَ الشَّمسِ على جبين السُّطورِ الشَّهيدة
يا الغريبُ في أُنْشُودَةِ الغياب
متى ستقذفُكَ الرِّياحُ عن صهْوَةِ صبابَتِك
قُلْ لي : متى ستعشقُ السُّنونو .. نُحولَ العاشق ؟!
اقرأ أيضًا تحليل قصيدة سحيم عبد بني الحسحاس.. نموذج من الشعر القديم
تحليل النص
نص عميق منفتح على الدلالات، بلغة جمالية إيحائية تنتهك التوقعات، وتستنهض القارئ وتستفزه لاقتحام النص، وتساعده على التحليق في فضاء الإبداع
فرموزه وإحالاته جاءت لتخدم الرؤية وتهدي المتلقي إلى مسالكها الدلالية بوعيه بالإشارات النصية والسياقية وتوظيفها في عملية التأويل، فالشاعر يبدع في توظيف التحولات الدلالية بما يخدم ثيمة النص والرؤية الشعرية.
يسوق النص سردًا حواريًّا من نسج خيال الشاعر تتقاطع فيه مسارات النضال الثوري بين التحليق والإخفاق، وبين الحلم في تحقيق الأمل، وبين الانكفاء والخيبة والتشرذم والضياع، وبين الوطن والسنونو في الغربة والاغتراب.
ويبقى النداء (سلمى) يا من تذخري برعود الأمل في السلم والسلام.. وتعلقت بك عيون الرجاء في رحلة حلم لا تنتهي، لتفكي القيود ليستقيم انحناء السنابل، وتغسلي حزن الأشجار ليزهو الوطن ببيادر الحلم بثوبها المطرز بألوان الحنين ولكن.
وكأني بالشاعر الذي يمثل الشعب الحر يحاول أن يدفع التهمة عن نفسه، وقد استقر في وعيه بأنه أنتم يا من تزعمتم مسيرة النضال من خيبتم الأمل، وقتلتم الحلم بنرجسيتكم وتفرقكم شيعًا وفصائل، قتلتم الوحدة وفقدتم البوصلة وضيعتم الحقوق.
اقرأ أيضًا تحليل قصيدة "أحب الغناء وشرب الطلاء" للشاعر الوليد بن يزيد
الدلالات الرمزية
هكذا يساهم السنونو والصفصاف في بعديهما الرمزي والدلالي في إغناء وتكثيف الدلالة… فالسنونو في ضوء الدلالة -كما استقر في الوجدان الجمعي- يعني الهجرة والانعتاق والانتماء، وهو ما يمثل الشعب.
وهكذا يتحمل الصفصاف الذي يمثل زعماء المسيرة خطيئة قتل السنونو (القضية)، وخطيئة التشرد بعد أن تخلى عن مهمته الطبيعية في صدِّ الرياح العاتية عن البيدر.
حيث تجسدت شجرة الصفصاف العتيدة لتتحول مهمتها في التجربة الشعرية إلى جزار، فبدلًا من أن تصد رياح الغدر والتآمر على القضية، راحت تشحذ سكينها لقتل القضية وقتل الحلم وروح الثورة.
هكذا يشرح الشاعر قضيته في هذه التجليات والصور والتداعيات التي تجسد ما في عمق الذات من تطلُّع إلى الخلاص ورفض لما آلت إليه القضية، وهو الشاعر الذي يحمل الهم على عاتقه وعبء الانتماء لهذا الوطن الجريح
وهو الشاعر الحر الذي بمداده يضيء الطريق وبه تتحرر الإرادة، فهو وحده حامل الهم وشغف الكتابة ولا تغيب عنه تفاصيل قضيته.
ويبقى التساؤل (متى) مشروعًا يرتبط برؤية الشاعر لقضيته، ورهن تطلُّعه للانعتاق والخلاص… وهكذا يرتبط الشاعر الحر بالسنونو بفكرة الهجرة والاغتراب والحنين للعودة إلى الوطن.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.