لوحة تبدأ من نهايتها.. قراءة فلسفية في ملامح الإنسان

كان بالمعرض كثير من اللوحات، ولكن كانت هناك واحدة تتحدث عن نفسها بتفاصيل كثيرة ودلالات تمتلئ بوفرة من التجارب الحياتية، تجعل كل من يشاهدها يقرأها بطريقة مختلفة عن الآخر وفق إحساسه وخصوبة خياله. ولكن اتفق الجميع على أن هذا الفنان بدأ لوحته من نهايتها بمزيج عجيب متجانس لوجه رجل يوحي بالمكانة وبثراء خادع لمن يراه من بعيد.

تجتمع فيه ملامح العجز والشباب معًا، ولكن في مجملها تعبِّر عن رجل أنهكته سنوات الحياة فأخذت منه وأعطاها، فجمع بين الصبر والمثابرة. وعلى الرغم مزيج ألوان الحزن التي تعتصر ملامحه، فإنه احتفظ لنفسه بعقل شاب حالم يحاول الهروب من واقعه بطاقة غير مرئية، تدفعه لعدم اليأس وتخطي الصعاب، فيتكئ على حكمة السنين وما اكتسبه من تجارب سابقة صقلت وعيه، ولكنها لم تأخذ من فطرته النقية، حتى وإن كانت نكتت في قلبه مرارة، ولكنه لا يزال يمتلك قلب طفل يجاهد في الحفاظ على ما تبقى من نقائه. 

هكذا كانت كل الرموز التي في أسفل الصورة، كل رمز يعبر عن شيء ما لصاحبها.

أما وسط الصورة فكانت استكمالًا لسمات تلك الهوية التي أظهرتها بعمق فرشاة هذا الفنان، فكشفت عن أسلوب حياة من ينظر إليها أول وهلة يظن أنها بلا طموح، ولكنها تعبِّر عن النضج النفسي الذي لا يصل إليه الإنسان بسهولة، بل يحتاج إلى مزيج من التأمل والتحليل والقناعات والمعتقدات الراسخة التي يحملها عن نفسه وعن العالم من حوله، فتمثل سلوكياته وقراراته.

فكان الإبداع في تلك اللوحة لأنها لم تضع اعتبارات الناس في توزيع رتوشها؛ فآراء الناس لأنفسهم، وهو مؤمن بأحقية كل إنسان في حياته وخصوصياته بما يتوافق مع ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه، وليس بموروثاته التي يتناقلها الناس عبر الأزمان.

وهنا إشارة إلى الزمن في أعلى اللوحة، تركت بها انطباعًا يعبِّر عن رحلة طويلة تحمل كثيرًا، لكن في نهايتها تحمل أيامًا ثقالًا من ذكريات تلتصق بصاحبها، منها ما تناساه عقله، ومنها ما ترك ندوبًا لا يمكن اقتلاعها، فكانت صورة الكتاب التي في يده الداعم الدائم له في وحدته وفي أصعب المحن، بل في أوقات خلت فيها الدنيا من حوله، وذهب كل الصخب الخادع الذي زيَّفته العلاقات الواهية بألوان تداخلت مع بعضها بعضًا.

فأكسبت تلك اللوحة جانبًا معتمًا تشير فيه إلى الاكتفاء بوحدته، وتحذيرًا لكل مَن يشاهدها أن يدرك حقيقة هذه الدنيا، بأنك أتيت إليها وحيدًا وسوف تغادرها وحيدًا، وأن استئناسك بمن كان حولك كان كمن صاحب ظله ثم ارتحل عنه. وإن لكل منا عالمه الخاص الذي يعيش فيه وحيدًا منذ أن جاء إلى أن يرحل، وكل ما تستطيع أن تفعله هو أن تهيئ لنفسك حالة تضفي عليك الرضا، كما في ظلال جوانب تلك الصورة التي ارتبطت بأعلاها بما يشبه تحذيرًا لأجراس ما قبل الغروب.

فأي عقل هذا الذي يجعلنا لاهثين خلف كل مادة دون أن نستمتع بحياتنا. فكثيرون شاهدوا تلك اللوحة، ولكنهم لم يستطيعوا قراءة تفاصيلها؛ لأن تجسيد كل ما هو مادي كان هو الأقرب لعيونهم من عقولهم؛ فشغلتهم ألوانها الزاهية وصور الشخصيات فيها التي أبدعت ريشة الفنان في ملامحها، فلم يروا أعماقها وما تحمله من صراخ مكتوم؛ حتى نعي حقيقة أعمارنا المحدودة التي نهدرها بالسعي خلف أشياء ترهقنا وتأخذ من سعادتنا، ولا نكتشف ذلك إلا في مرحلة متأخرة من حياتنا، لا يسعفنا الوقت فيها كي نرسم لوحة جديدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يا لها من لوحة ابداعية رائعة
تعكس كل جوانب الإنسان
بقلم مبدع صاحب فلسفة
بحروف من الوان.
مع خالص تحياتى وتقديرى 🌹🌹🌹
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

الصديقة العزيزة سعاد صادق
حقا يسعدنا هومشاهدة تواجدك على تلك الصفحة
ويؤثرنا ثنائكم الطيب لنا ،دمتم، ودام وجودكم ودعمكم الدائم .🙏🌹🙏🌹🙏🌹
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يسعدني وجودك دائمآ على المنصة
يا صديقى كما يسعدنى كل ما هو جديد
من ابداعك الرائع دمت مبدع صديقى 🙏❤🙏❤🌹
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.