!قراءة الذات أولا .. مراهقة من ليالي ألف ليلة

 

مراهقة

__________________

في أروقة الذاكرة، تعشعش الكثير من الحكايات الجميلة، تحتل أحيانا تفكير اللحظة بقوة مفرطة، ما تلبث أن تهطل بسخاء ذكرياتها على مساحته الشاسعة طولا وعرضا، لتغرقها بتفاصيل لذيذة، تسبح بها لغة السرد بهدوء وتأمل في عوالم مؤكسدة المشاعر والأحاسيس، لا تمت لهذا الراهن الكئيب الخانق بأي صلة.

***

من الصعب التعبير، أو البوح بذلك الشعور السعيد الذي اغتمرني ذات مراهقة .... كتابُ أصفرُ صغيرُ الحجم وقع للتو في يدي، لا أدري كيف حصلت عليه فجأة، كتاب كان في مضمونه روايةً خيالية ممتعة للأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ .... الغلاف بحد ذاته، كان كفيلاً بإيقاظ نزق طازج مراهق في داخلي، ملامح وجه أسطوري، لفاتنة لمياء في ريعان العمر، بازغٍ بخدين متوردين ومسحة اصفرار بسيطة، منحوتٍ بشكل شبه مستدير، كأيقونةِ قلب عاشقٍ، تعلوه عينان حالمتان شاخصتان بتطلعٍ إلى ما وراء أحلام وردية، لم تحجب رؤيتها - كما يبدو - سوى بضع خصلات من شعر الرأس المتموج بتسريحات تشبه تسريحات أميرات الواق الواق وقد التوت معظمها على جيدٍ يافعٍ دقيقٍ منتصبٍ كقارورةٍ صينية طرية، لكأنها خُلقت خصيصا لعناق الملوك!

واضح أنها صورة الغلاف لم تكن سوى رسمه خياليةٍ أبدعتها ريشة أحد المصممين المحترفين لحظة تخيله لوجه شهرزاد! .... تلك الملكة الخيالية المثيرة للشجن، التي امتلكت بجمالها وسحر جاذبيتها، فضلا عن ثقافتها الغزيرة، وأدبها الملهم، قلبَ مليكٍ سفاحٍ يدعى شهريار لتحيله وطبعه من مصاص دماء إلى كائن إنسانٍ بعد يوم وألف من زواجهما .... والعهدة على (ليالي ألف ليلة)!

***

هجرتُ رتابة المنهج الدراسي الكئيب الممل، وتخليت مؤقتاً عن مجلس القيلولة اليومي والمذاكرة العادية مع زملائي الأقارب أولاد العم في فترة ما بعد الظهر، فترة استذكار ومراجعة بعض دروس ومسائل مادة الرياضيات الأساسية المعقدة، التي كان الزول صالح عجب الدور يجيد جميع حلولها لنفسه، لكنه يعجز عن شرحها وتوصيلها إلى عقولنا المراهقة آنذاك، على عكس، زميله ومواطنه الأربعيني ذي الشعر المتجعد عوض الكريم موسى عوض الكريم البارع في تخصصه بتدريس المواد الاجتماعية، براعة متمكنٍ ذي كاريزما تستوعب عقليات طلابه جيدا، وتجيد توصيل المعلومة بسلاسة مشوقة، لاسيما حين يسهب حد - دهشتنا وذهولنا - في سرد تاريخ الحملات العثمانية على اليمن ووصول سنَّان باشا والياً، والقدرات الخارقة للملك المطهر بن شرف الدين ومعه لفيف قبائل الشمال في سحق وإبادة معظم تلك الحملات بالنار والبارود وقبلها بالإرادة، متمكنين من إفشال كثير من الأحلام التوسعية لسلاطين الأستانة الطامعين بقضم اليمن وإلحاقها بخارطة إمبراطوريتهم الآسنة!

***

كانت امتحانات الشهادة الإعدادية على الأبواب، زميلاي أبناء العم أنور وشقيقه محمد في حالة تأهبٍ قصوى من المذاكرة الإجبارية، وقد انتبذا منزلا مهجورا اشتراه جدي قبل فترة اضطرارا وترفاً، من زوجين معمرين قررا إلى غير رجعة مغادرة القرية وإكمال بقية العمر تحت عناية أبنائهما وأحفادهما وأبناء الأحفاد المقيمين بشكل دائم في إحدى أحياء العاصمة.

شخصيا لا أحب المذاكرة الإجبارية، أكره المنهج الإلزامي بشدة، لا أذكر أنني طوال فترة دراستي من السنة الأولى وحتى الثانوية كنت قد تأهبت يوما للامتحانات، أو ذاكرت موادها خارج إطار الحصص، كنت أعتمد على ما فهمته أثناء الحصة وشروح المعلمين للدروس وحسب، لدي حاسة وعي وفهم لا بأس بها، إن لم تمنحني درجة الامتياز في الاختبارات، فلن تخذلني أبدا أوتسلمني للفشل والرسوب، كنت أتكئ عليها فقط، وكثيرا ما أحصد الامتياز مع مرتبة الشرف في اختبارات النقل وشهادة السادس ابتدائي مناصفة مع ابن عمي المجتهد المثابر. 

***

على عكس الزميلين الشقيقين، وفي لحظة غفلة من رقابة أمي الصارمة ووالدي الديمقراطي المتساهل حينا والصارم أحيانا، انتبذت إحدى الزوايا المغلقة لإحدى حقول البن القريبة من بيتنا نَتَفَيَّأ إحدى أشجارها ومنهمكاً بجوع طائش ولهفة مراهقة في قراءة سطور وأحداث الرواية النوبية اللذيذة.

لن أسهب هنا في تحليل مضمونها أو سرد أحداثها الدرامية المليئة بالحب والشجن والتناقضات الحيوية المتعددة، سأكتفي بسرد انطباعي حول تأثيرها الساحر على شعوري المراهق، وهي ترسم على لوحة خيالاتي عالماً أسطورياً، لمستقبلٍ أسطوريٍّ، ينتظرني على شفا حظٍّ آت لا محالة! غير أني لم أدرك حينئذٍ أنني سأظل في انتظاره حتى هذه اللحظة، ولا ثم عفريت (سخربوطي) أو جنيَّة (زرمباحية) أو حتى مارد غيبي يخرج من قمقم زمن جميل بصوتٍ إعلانٍ خدمي مرتقب، أشنف به ذبول أمنيات عتيقة طالما ظلت ولا تزال تحلم بسماع عبارته الشهيرة (سبيك لبيك عبدك بين يديك)!

***

حين ذهبت مع زميلي لقراءة نتائج امتحانات الشهادة الأساسية، كنت واثقاً من التفوق في جميع المواد بما فيها لغة الإنجليز، إلا في مادة واحدة شحت فيها مكارم المصححين، ولم تجد سوى بدرجة النجاح فقط!

لعلكم عرفتم هذه المادة الآن.

 يتبع....

 

بقلم الكاتب


الإسم: علي محمود أحمد الأهدل البلد : اليمن تاريخ الميلاد : 23- 2- 1982 المدينة : صنعاء رقم الهاتف : 00967771240450 تخصص إعلام - جامعة صنعاء . شاعر وكاتب وصحفي ، عملت محررا اخباريا ومعد برامج في العديد من القنوات التلفزيونية المحلية ، والاذاعات المحلية لدي ديوان شعري تحت الطبع بعنوان (حفيف الشجون) الحالة الاجتماعية : عازب

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

ذكرتنا سنوات المراهقة فعلا كنا نتمرد على الالتزامات ونحب التحرر

دمت رائعا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

روعة مضمونها وأسلوبها

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

سرد يفوق الجمال

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

رووعه استمر افدي قلبك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا مرتضى الجميل

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

أجمل ما قرأته لك ياعلي ...سرد إبداع ووصف دقيق ورائع ...اعجبني بشدة وصفك لغلاف الرواية ... حتى اني رسمت صورة الفتاة في مخيلتي!!! تبا لمدرس الرياضيات وشكرا لمدرس الإجتماعيات.. وسحقا للمنهج الدراسي الممل..سلمت اناملك

ملحوظة: المراجعة والتدقيق للمقال قبل نشره مهم جدا وذلك لتفادي الأخطاء الإملائية التي يصنعها أحيانا كثيرة مفتح المدخلات (الكي بورد)

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا للفهد

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

الإسم: علي محمود أحمد الأهدل البلد : اليمن تاريخ الميلاد : 23- 2- 1982 المدينة : صنعاء رقم الهاتف : 00967771240450 تخصص إعلام - جامعة صنعاء . شاعر وكاتب وصحفي ، عملت محررا اخباريا ومعد برامج في العديد من القنوات التلفزيونية المحلية ، والاذاعات المحلية لدي ديوان شعري تحت الطبع بعنوان (حفيف الشجون) الحالة الاجتماعية : عازب