يقال إن القطط الصغيرة أكثر شراسة من الكبيرة، وقد لا يبدو الأمر غريبًا، فنحن غالبًا ما نستخفُّ بقدرات الأشياء وفقًا لحجمها، وكأن القوة تكمن فقط في الكتلة، لا في الإرادة. ربما لأننا اعتدنا أن نقيس كل شيء بالظاهر، متناسين أن الشرارة الصغيرة هي التي تشعل النار العظيمة، وأن الصوت الخافت قد يحمل صدىً يهزُّ الجبال.
أهم درس يجب أن نعيه هو ألا نستهين بأي شيء أو بأي شخص، فالظاهر ليس سوى قشرة هشة تخفي عوالم لا نعلم عنها شيئًا. ما يحدث في الخفاء قد يكون أعمق مما نتصور، لذلك، لا تجعل عينيك سجينتي السطح، فالحقيقة غالبًا ما تسكن حيث لا تتوقع.
يبقى الصمت أبلغ من ألف كلمة، وأقسى من ألف معنى، فهو الحقيقة العارية التي لا تحتاج إلى تبرير، والنداء الصامت الذي لا يحتاج إلى صدى. إنه النقطة الفارغة في كل شيء، فتنعدم التفاصيل ويذوب المعنى، لكنه في الوقت ذاته الامتلاء المطلق، حين لا يبقى شيء سوى حضوره الطاغي.
الصمت ليس فراغًا، بل هو المساحة التي تنكشف فيها الحقائق دون أن تُقال، وهو كل شيء حين يصبح الكلام بلا جدوى.
يزداد كل يوم ذلك الحوار الصامت المتراكم في أعماق الحناجر، ليس خوفًا ولا ضعفًا، بل لأن بعض الكلمات أعظم من أن تُهدر على عابرين لا يملكون القدرة على استيعابها. توجد لحظات، نكتشف فيها أن بعض الأشخاص أجدى بهم أن يلوذوا بالصمت، فصمتهم أثمن من آلاف الكلمات المبتذلة.
أنا مع حرية التعبير، نعم، ولكن حرية التعبير ليست مبررًا لتجاوز حدود الآخرين.
لقد نشأنا على حدود تحيط بكل شيء من حولنا، فلا يمكننا أن نرتدي حرية مبتذلة تجعلنا نسب أو نشتم تحت ذريعة التعبير. الحرية لا تعني أن تدوس الآخر لتثبت نفسك، بل أن تقول ما تشاء حيث لا تُسفك كرامة أحد.
كن شجاعًا في تسليط الضوء على الحقائق في مواضعها الصحيحة، فلكل حديث زمانه ومكانه. لكن إياك، ثم إياك، أن تجعل رأيك في الآخرين شغلك الشاغل، فتذكر دائمًا: ليس من شأنك أن تحكم على أحد، فكل روح تحمل في داخلها ما لا تدركه عيناك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.