قبل ظهور التكنولوجيا.. كيف تعامل الناس مع حرارة الصيف؟

قد يزعجنا الحر قليلًا، لكننا نمتلك عددًا من الوسائل للتعامل مع الحرارة العالية في أوقات الصيف؛ مثل التكييف والمراوح ووسائل التبريد المختلفة، فجميع هذه الوسائل تعتمد على التكنولوجيا ومصادر الطاقة المختلفة، فكيف كان الناس قديمًا يتعاملون مع حرارة الصيف؟

 

سؤال نجيب عنه في هذا المقال باستعراض الطرائق التي استخدمها الناس قديمًا للتعامل مع الحرارة العالية، لا سيما في منطقتنا العربية التي يتميز معظمها بمناخ صحراوي شديد الحرارة.

طرق طبيعية من البيئة المحيطة 

يقول الدكتور والباحث السوري سائر بصمة جي الذي له كتاب مهم جدًا باسم "التبريد في التراث العلمي العربي": "إن العرب وغيرهم من الشعوب البدائية كانت تستخدم البيئة المحيطة في التعامل مع الحرارة، سواء في الصيف أم الشتاء، وهو ما لم يكن مقصورًا على الأماكن الفارهة في القصور، وإنما أيضًا في البيوت والمنازل العادية".

ويضيف: "ومن أبسط هذه الوسائل هي فكرة تناوب التدفئة، حيث يقوم الناس بفتح النوافذ والأبواب الخاصة بغرف محددة في المنزل من أجل دخول الهواء لخفض الحرارة، وفي بعض الأماكن كان الناس يلجؤون إلى إحضار الجليد من الأماكن المرتفعة أو بناء منازلهم عبر المناطق الصخرية أو تحت الأرض أو استخدام المواد الطبيعية العازلة للحرارة؛ مثل: الطين والخشب".

إضافة إلى ذلك كان الناس يلجؤون إلى التبريد الذاتي؛ مثل: تبليل الثياب بالماء والاستحمام المتكرر بالماء البارد، واللجوء إلى تبريد المناطق التي يتدفق منها الدم؛ مثل: مناطق مكان النبض وجوانب الرقبة، وذلك باستخدام قطعة مبللة من القماش، وهو ما يمكن استخدامه في حالة إصابة الشخص بالحمى من أجل خفض درجة الحرارة.

كانت توجد عدة تقنيات استخدمتها الحضارات المختلفة؛ فعلى سبيل المثال: كان الناس في الحضارة الرومانية والإغريقية والمصرية القديمة يستخدمون الحصائر الرطبة، يعلقونها في طريق الهواء الداخل إلى المنزل على فتحات الأبواب والنوافذ، وهو ما يؤدي إلى دخول الهواء البارد، وكان الناس في العراق يستخدمون الفحم النباتي بدلًا من الحصر المبللة من أجل تبريد الهواء وامتصاص الروائح الكريهة وتعطير المنزل.

اقرأ أيضًا: كيف يمكن تجنب حرارة الصيف؟

تقنيات أخرى للتعامل مع الحرارة

تتحدث الكاتبة العربية نادية سعيد الغزي في كتابها "الطرق الشرقية القديمة للتخلص من الحر" عن تقنيات عدة لجأت إليها الشعوب في المناطق الحارة للتعامل مع الحرارة الشديدة، ومنها الأقمشة والملابس التي وظفت في مسألة التبريد في الصيف؛ فعلى سبيل المثال: كان العرب يستعملون المواد الطبيعية التي تمكنهم من مكافحة الشمس والحرارة؛ مثل: الصوف والقطن.

بالإضافة إلى لجوء شعوب عدة إلى الألياف النباتية؛ مثل: الخيش والكتان والجوت، والدليل على ذلك ملابس الملكة (شيبتو)  التي كانت تعد الزوجة الرئيسة للملك (زميري ليم) أحد ملوك (مملكة ماري) في منطقة الفرات الأوسط، التي تعود مقتنياتها إلى عام 1760 قبل الميلاد، فقد كانت الملابس مصنوعة من الكتان الذي صبغ بعدد من الألوان.

إن العرب القدماء كانوا يلجؤون إلى تقنية خاصة بهم وهي ارتداء ملابس مكونة من أربع طبقات من أجل تغطية أجسامهم كاملة، وحمايتها من الشمس، وتجنب الجفاف مع استخدامهم للعمامة من أجل حماية الرأس.

اقرأ أيضًا: أفضل المشروبات المنعشة لمواجهة حرارة الصيف

المعمار العربي في مواجهة الحر

لأن العرب كانوا يعيشون في بيئة تتميز بالحرارة الشديدة فقد لجؤوا إلى عدد من الطرائق المعمارية التي تساعدهم على التغلب على حرارة الصيف الشديدة؛ ومن أمثلة هذه الطرائق: ما يعرف بـ(ألواح الجالي)، وهي تقنية تستخدم بدلًا من النوافذ التقليدية، كانت تصنع من الرخام والأحجار من بداية القرن الثالث عشر.

وكانت تعتمد هذه التقنية على فتحات ضيقة تسمح للهواء للمرور ببطء، وهو ما يجعله يبرد قبل الدخول إلى المنزل عبر الثقوب المزخرفة، وهي تقنية ناجعة جدًا، يمكنها تبريد الأجواء على نحو رائع، لكنها كانت تقتصر على بيوت الأغنياء؛ لتكلفتها العالية.

كانت تخطيطات المدن والأمكنة الحضارية تعتمد على تعظيم عنصر الظل، وعدم وجود المساحات المفتوحة التي تسمح لأشعة الشمس بتسخين الأرض، وهو ما يعد من الوسائل المعمارية التي ساعدت كثيرًا على تخفيف درجات الحرارة.

وكانت الجدران والأسقف سميكة حتى لا تسمح بوصول أشعة الشمس إلى الداخل بقدر الإمكان، إضافة إلى صناعتها من الحجر والقش، إضافة إلى وجود قنوات مائية في المنشآت الكبيرة سواء المنشآت الحكومية أم القصور والمساكن الملكية من أجل تبديد الحرارة التي تمتصها الجدران والحفاظ على برودة المكان.

وتميزت العمارة العربية على مدار تاريخها باستخدام الأخشاب في الأسقف والواجهات من أجل التحكم في درجة الحرارة عن طريق تزويدها ببعض المواد الأخرى؛ مثل: الطين للحفاظ على برودة المساكن في فصل الصيف، والمحافظة على قدر من الدفء في فصل الشتاء.

وكانت المشربيات التي ظهرت في العصر العباسي إحدى الوسائل التي يستعان بها في تهوية الأمكنة السكنية، وتوفير بيئة داخلية ذات أجواء مريحة على الرغْم من ارتفاع درجة الحرارة في الخارج.

أما الملاقف فهي تعد نظام تبريد يعمل على نحو طبيعي، تستقبل الرياح وتوجهها داخل الأمكنة السكنية بعد تبريدها؛ لذا يجب وضعها في اتجاه هبوب الرياح، ما يؤدي إلى تدفق كبير للهواء البارد الذي يحل محل الهواء الدافئ الذي يخرج من مكان آخر، يبنى في الجهة المقابلة من المبنى السكني، ويدخل الهواء من الملاقف ويخرج بعد تبريد الأجواء من الناحية الأخرى.

اقرأ أيضًا: كيف أتغلب على درجات الحرارة في فصل الصيف؟

وفي آخر هذه الجولة بين الطرق القديمة في مواجهة حرارة الصيف سواء في المنطقة العربية أم الحضارات الأخرى، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، وأن تشارك المقال عبر مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة