في المرتفعات الباكستانية الشمالية، حيث الأراضي الجليدية الوعرة، تعيش قبائل الكيلاش إحدى أغرب القبائل بمعتقداتها الدينية والاجتماعية، إضافة إلى ملامح أبناء الكيلاش التي تختلف تمامًا عن ملامح سكان باكستان، فهم يتمتعون بلون البشرة الأبيض، والشعر الأشقر، والعيون الملونة، وهو ما يجعلهم أقرب لسكان أوروبا من سكان تلك المناطق في آسيا.
فما سر ملامح أبناء الكيلاش؟ وما أغرب العادات الدينية والاجتماعية لدى هذه القبائل؟ وهل حقًا تستطيع المرأة في مجتمع الكيلاش تغيير زوجها دون إذنه في أي وقت تشاء؟ أسئلة تجد إجاباتها في هذا المقال الذي يصحبك في جولة سياحية ممتعة في جبال باكستان الشمالية، للتعرف على قبائل الكيلاش في السطور التالية.
تاريخ قبائل الكيلاش
كان من السائد على مدار مئات السنين أن أبناء قبائل الكيلاش يعودون إلى نسل القائد الكبير الإسكندر المقدوني، أو في الأقل أنهم أحفاد جنود جيش الإسكندر الذين فروا من المعارك أو ضلوا طريقهم في المنطقة، حيث توجد المرتفعات والطرق الوعرة في جبال هندوكوش؛ لذا أقاموا في تلك المناطق وأسسوا لما نعرفه الآن بقبائل الكيلاش، وهو الاعتقاد الذي كان يحمل تفسيرات مقنعة لاختلاف ملامح أبناء قبائل الكيلاش عن باقي الجماعات والقبائل الموجودة في البلاد.

ومع تقدم الأدوات والبحوث العلمية التي سمحت بإجراء التحاليل الجينية في العصر الحديث، كُشف عن الحقيقة التي تقول إن أبناء قبائل الكيلاش لا يعودون إلى جيش الإسكندر الأكبر، وإنما كانوا من سكان المنطقة منذ آلاف السنين، وهو ما عزز فكرة كونهم السكان الأصليين للمنطقة، وربما كانت الجماعات الأخرى قد جاءت بعد أبناء قبائل الكيلاش واستوطنت في أماكن متفرقة من البلاد.
ديموجرافيا قبائل الكيلاش
على المستوى الجغرافي، فإن قبائل الكيلاش التي تستوطن جبال هندوكوش الجليدية في المناطق الشمالية من باكستان تنقسم إلى 3 وديان هي (برير) و(بمبوريت) و(رامبور)، وهو ما يجعل أبناء قبائل الكيلاش ينقطعون عن العالم معظم شهور السنة بسبب ظروف الجليد.

وعند زيارة قبائل الكيلاش يمكن ملاحظة عدد من المعالم التي تعود إلى الحضارة اليونانية القديمة، وهو ما يوضح وجود علاقة تاريخية وربما علاقة عرقية بأفراد جيش الإسكندر الأكبر، لكن دراسة حضارة الكيلاش وثقافتها تكشف عن وجود مزيج من حضارات عدة أخرى، لعل أبرزها الحضارة الإسلامية والحضارة الفارسية والثقافة الهندوسية، إضافة إلى عدد من الروافد الثقافية لجمهوريات آسيا الوسطى، وهو ما يعود إلى الموقع الجغرافي لأبناء قبائل الكيلاش الذي يتوسط مجموعة من الثقافات والحضارات المختلفة.
وعلى صعيد اللغة، يتحدث أبناء قبائل الكيلاش لغة غريبة إلى حد ما، يطلق عليها (الخوار) أو (الدرتك)، وهي لغة خليط بين مجموعة من الكلمات التي تعود إلى لغات أوروبية قديمة، إضافة إلى كلمات عدّة من الهندية والفارسية، لكن السنوات الأخيرة شهدت دخول مجموعة من اللغات الأخرى، منها ما يعود لمناطق محلية في باكستان أو اللغة الإنجليزية، بسبب كونها لغة عالمية، وذلك بعد انتشار التعليم بين أبناء قبائل الكيلاش.
الحياة الدينية والاجتماعية لقبائل الكيلاش
يُعَدُّ شعب الكيلاش من القبائل الفقيرة التي تعتمد على نفسها في توفير الغذاء، ولا تنفتح على العالم كثيرًا، ومعظمهم من الرعاة والمزارعين الذين يعملون على زراعة الفواكه والمكسرات والذرة والقمح والدخن، وتربية الحيوانات، ويعتمد النظام الغذائي في قبائل الكيلاش على الفواكه المجففة والمكسرات واللحوم والعسل والسمن البلدي.
ثم إن النشاط الاقتصادي لدى أبناء قبائل الكيلاش يعتمد على الزراعة والصيد والثروة الحيوانية، وعلى الرغم من أن السياحة بدأت تعرف طريقها إليهم، فإن انقطاعهم عن العالم أكثر من 6 أشهر كل سنة بسبب الجليد لا يجعل السياحة من الأنشطة الرئيسة.

وعلى الرغم من أن معظم الباكستانيين يدينون بالديانة الإسلامية؛ فإن أبناء قبائل الكيلاش قد احتفظوا بديانتهم القديمة التي تعد غريبة حتى على الديانات والعبادات المعروفة في منطقة شبه القارة الهندية، فيؤمنون بمجموعة من الآلهة، ويقولون إنها توجد بينهم في المواسم، ويقدمون التضحيات إليها من المأكولات والمشروبات والمواشي، ويقيمون لها المهرجانات والرقصات في فصول عدة على مدار العام.
ويطلق الباكستانيون على المناطق التي يعيش بها أبناء قبيلة الكيلاش اسم (كافرستان)، وهو ما يعني بلاد الكفار، لكن أبناء قبائل الكيلاش لا يعبدون أي شيء مرئي مثل الأشجار والأصنام والنار، وقد شهدت السنوات الأخيرة دخول عدد كبير منهم إلى الإسلام، مع اختلاطهم بالثقافات المحلية، وتطور وسائل النقل، ووجود طريق بري، ووصول الهواتف المحمولة ووسائل الإعلام.
ولا تزال الحياة في قبائل الكيلاش تقوم على المساكن القديمة التي تُبنى من الأحجار والأخشاب، وتُقسم إلى مجموعة من الغرف المزودة بالمدافئ للتغلب على البرد القارس في فصول الشتاء، ويعدون أنواعًا من الكحول التي يستخلصونها من الفواكه المحلية، للتعامل مع درجات الحرارة المنخفضة.
من ناحية أخرى، فإن قبائل الكيلاش تمتلك أحد أغرب المقابر في العالم التي ترتبط بمجموعة من العادات الدينية الغريبة، إذ يوضع الميت في صندوق خشبي وسط المقبرة معرضًا للهواء الطلق، وهي المراسم التي تحتاج إلى بيع جزء من ممتلكات الميت، وتستمر العادات نحو 7 أيام، وتتضمن إطعام المعزين، وتقديم الفواكه والمكسرات، وإقامة مجموعة من الرقصات الشعبية التي تعبر عن الحزن.
كذلك، فإن قبائل الكيلاش تتصف بارتفاع معدل الأعمار الذي يتجاوز 100 عام، وجودة الصحة بسبب العوامل البيئية وطبيعة الحياة التي تتطلب مزاولة الأعمال وتسلق الجبال والسير على الأقدام مسافات طويلة، إضافة إلى تناول الطعام البلدي النقي.
المرأة في مجتمع الكيلاش
تُعدّ المرأة الكيلاشية من أجمل نساء الأرض، وتتميز كباقي أفراد القبيلة بالملامح الأوروبية، البشرة البيضاء، والشعر الأشقر، إضافة إلى العيون الملونة الزرقاء والخضراء والبنية والرمادية، ثم إنها تميل إلى الحركة والرقص والغناء في كل المناسبات تقريبًا، إضافة إلى كونها جزءًا من النشاط الاقتصادي للقبيلة، فهي تؤدي عددًا من الأعمال اليدوية، إضافة إلى مساعدة الرجل في أعمال الزراعة وتربية الحيوانات وصناعة الشراب وتجفيف الفاكهة.

ويوجد عدد من العادات والتقاليد الغريبة فيما يخص المرأة في قبائل الكيلاش الباكستانية، ومن أغرب هذه القوانين حق المرأة في تغيير زوجها أو عزله أو استبداله، فمن المسموح لها أن تعزله في منزل منفصل وتترك له الطعام على عتبة البيت، وذلك في مدة الحيض، ويمكنها أن تستبدله بزوج آخر في أي وقت، ولا يحق للزوج الأول الاعتراض، وهو ما يتضمن دفع الزوج الثاني مهرًا مضاعفًا يذهب نصفه للزوج الأول ونصفه لوالد المرأة.
وعلى الرغم من أن قبائل الكيلاش لا يتخطى عدد أفرادها 6000 فرد حسب آخر الإحصائيات؛ فإنها تعد من أشهر القبائل في باكستان التي تناولتها كثير من الدراسات والبحوث والمقالات، حتى بدأ السياح والزوار يأتون إليها من كل مكان في العالم للتعرف على طبيعة المنطقة من ناحية، ومشاهدة أفراد قبائل الكيلاش بملامحهم وملابسهم المختلفة من ناحية أخرى.
وفي نهاية هذا المقال، نرجو أن تكون جولتنا في منطقة قبائل الكيلاش الباكستانية قد قدمت لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.