قانون الفكر المنطقي الحكم بعد التصور

"الحكم على الشيء فرع عن تصوره" قاعدة أصولية فقهية، لا يحتاج إليها الفقيه والأصولي فحسب، لكنها قاعدة يحتاج إليها الجميع، حتى عوام الناس قبل مفكريهم، جميعهم بحاجة إليها؛ للوصول إلى أحكام صائبة تساعد في ربط المجتمع بعضه ببعض، ومد جسور التواصل والاتصال، بصرف النظر عن توجهات وطرائق تفكير أفراده.

لكننا، وللأسف الشديد، أصبحنا لا نتصور الأشياء على نحو صحيح؛ ما أدى إلى خلل كبير في الحكم على الناس. فكثيرون يعتمدون على المظهر والشكل الخارجي، وطريقة الحديث، ونوعيته، ليُوصم هذا المتحدث بلقب معين، أو صفة تكون في غالب الأحيان بعيدة كل البعد عن الحقيقة الصادقة؛ ذلك أن صدق الحكم يعتمد أيضًا على صفاء النفس وبُعدها عن الدخائل الخبيثة، والمقاصد الدنيئة، أو الأحقاد الدفينة، والمساعي الذميمة لالتهام أكبر قدر من المصالح الشخصية، ولو على حساب صيانة الكرامة والعرض ونقاء الشخصية.

فمثل هؤلاء لا يمكن بحال من الأحوال أن يصلوا إلى مستوى راقٍ من الأحكام الصادقة عن الآخرين، بل إن أحكامهم أقرب إلى الكذب والتزوير وخلط الأوراق بغية التقليل من شأن الآخرين ليبقى لهم السؤدد والمكانة والجاه، حتى ولو كانوا أبعد الناس عن مثل هذه الصفات وتلك المراتب.

التصنيف السيئ للآخرين، ووضع الحواجز والعقبات دون الوصول إليهم، أو التعرف عن قرب لشخصياتهم وتوجهاتهم، يؤدي بالضرورة إلى تراكم هائل من سوء الفهم، والظن السيئ، والسعي نحو تهميش وإقصاء مثل هؤلاء الذين رسمنا صورًا قاتمة لهم، وحشرهم في زاوية ضيقة، ليموتوا وينتهوا، فيتم التخلص منهم، ليبقى الميدان كلأً مباحًا لمن يرى لنفسه الأحقية في المنصب والظهور بناءً على خبرة طويلة، ومآثر عظيمة، ومقومات كبيرة تبعث الغرور في نفسه، ولكنها في الأصل تدعو إلى الرثاء العميق لمثل حال هؤلاء الذين هم أحوج ما يكونون إلى مراجعة ذاتية لمسيرة حياتهم.

اقرأ أيضًا: خاطرة «الإيجابية منهج حياة».. خواطر اجتماعية

ومن التصنيفات المضحكة، اعتبار اللحية مقياسًا للحكم على أصحابها، وهي في الأصل مظهر خاص بالرجال يُعد من المظاهر الدينية لارتباطه بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فالمجتمع المسلم ينظر لمن أطلق هذه اللحية سواء أكانت طويلة أم قصيرة أو حتى ممسوحة أن هذا الشخص متدين أو مطوع كأحسن الأحوال أو إرهابي متطرف إلى غير ذلك من التصورات الشنيعة، وعلى هذا فهو يوضع في خانة خاصة يمنع الاقتراب منها، أما من تعرَّف عليه واقترب منه وتصوَّره تصورًا صحيحًا فهو يحكم عليه حكمًا صحيحًا، بخلاف ذلك الشخص الذي ابتُلي بعدد من العادات السيئة، فقد انتهى تصوره إلى أن هذا الملتحي من أبعد الناس عنه وبينهما مسافات بعيدة حتى يصل إليه، وهيهات فقد خزن فكره بأفكار أغلق المنافذ عليه ليفكر في غيرها.

هذا المثال أقرب الأمثلة للوصول إلى ما نريد أن نؤكد عليه، وهو أن تصوراتنا القاصرة والضعيفة تبنى عليها أحكام في أحيان كثيرة جائرة تحتاج إلى مراجعة وتقييم وتصحيح، والمحصلة لمثل هكذا أحكام هو بذر الشقاق والخصام بين فئات المجتمع والحيلولة دون تواصل الناس بعضهم ببعض، وإن اختلفت صورهم وأشكالهم أو تعددت توجهاتهم.

فهذه الأشكال والرسوم ليست هي المحصلة الحقيقية لحياة أصحابها، فكم يخطئ المرء عندما يعتمد عليها في حكمه كما قال كثير عزة:

ترى الرجل النحيف فتزدريه ** وفي أثوابه أسد هصور

ويعجبك الطرير إذا تراه ** فيخلف ظنك الرجل الطرير

فما عظم الرجال لهم بزين ** ولكن زينهم كرم وخير

ومن مساوئ تصرفات بعضهم احتقارهم للآخرين، وتهوينهم لقدراتهم وطاقاتهم، وربما نبزهم بألفاظ سيئة، تتطاير بين الألسنة لتصل إلى من قصد الإساءة إليه، ليتعزز الكره والشقاق بين الناس. فلا العقل احتكم للحكمة، ولا القلب صفي من الحقد والغل على الآخرين. فهل من مراجعة لوضع الأمور في نصابها ليكسب المجتمع نفوسًا قوية قادرة على البناء والتنمية والوصول لمستقبل مشرق؟ نأمل ذلك. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.