قانون السبب والنتيجة: فلسفة السببية من أرسطو إلى نيوتن

يُعد قانون السبب والنتيجة (أو ما يُعرف بمبدأ السببية) أحد القوانين الكونية والبديهيات العقلية التي يقوم عليها فهمنا للواقع؛ فلا يمكن لحدث أن يقع من تلقاء نفسه دون محرك أو دافع أدى إلى ظهوره.

ويعد إدراك هذا القانون ضرورة حتمية لكل من يطمح إلى تغيير واقعه. فواقعك الحالي، بنجاحاته وإخفاقاته، ليس صدفةً عابرة، بل هو ثمرةٌ لمجموعة من المقدمات والأفعال التي اتخذتها سابقًا. في هذا المقال، سنغوص في أعماق السببية لنكتشف كيف نحول هذه المعرفة إلى قوة تغيير حقيقية.

ما هو قانون السبب والنتيجة؟

هو القانون الذي ينص على أن لكل حدث (نتيجة) سببًا سبقه وأدى إليه، وأن هناك علاقة حتمية وضرورية تربط بينهما. في عالم الفيزياء، يتجسد هذا القانون في مبدأ نيوتن «لكل فعل رد فعل»، أما في الجانب الفلسفي والحياتي، فهو يعني أن واقعك الحالي ليس صدفة، بل هو ثمرة لمجموعة من المقدمات والأفعال التي اتخذتها سابقًا.

قانون السبب والنتيجة

ويمكن تلخيص هذا القانون في النقاط التالية:

  • الحتمية: إذا توفرت الأسباب الكاملة، فلا بد من وقوع النتيجة.
  • الترابط: لا يمكن فصل النتيجة عن مقدماتها؛ فمن يزرع الشوك لا يجني العنب.
  • التسلسل: الحياة عبارة عن سلسلة متصلة، حيث تتحول النتيجة الحالية إلى سبب لحدث مستقبلي جديد.

ما هو الفرق بين السبب والنتيجة؟

على الرغم من تلازمهما، إلا أن هناك فروقًا جوهرية بينهما تظهر في الوظيفة والترتيب الزمني:

وجه المقارنة السبب (Cause) النتيجة (Effect)
التعريف هو القوة المحركة، أو الفعل، أو الظرف الذي يؤدي إلى وقوع شيء ما. هو الحدث الذي يقع، أو التغير الذي يطرأ بناءً على تأثير السبب.
الترتيب الزمني يسبق النتيجة دائمًا (المقدمة). يأتي بعد السبب دائمًا (المخرجات).
التساؤل يجيب عن السؤال: «لماذا حدث هذا؟». يجيب عن السؤال: «ماذا حدث؟».
مثال عملي المذاكرة والاجتهاد لساعات طويلة. الحصول على شهادة التخرج بتفوق.

كيف يؤثر فهم هذا الفرق على حياتك؟

إن إدراك الفرق بينهما يجعلك تتوقف عن محاولة تغيير النتائج مباشرة، وتبدأ في التركيز على تغيير الأسباب. فإذا كنت تعاني من وضع مالي متردٍ (نتيجة)، فإن الحل لا يكمن في الشكوى من الفقر، بل في البحث عن الأسباب التي أدت إليه (مثل سوء الإدارة أو قلة المهارات) والعمل على تعديلها.

«الجنون هو فعل نفس الشيء مرارًا وتكرارًا وتوقع نتائج مختلفة». - ألبرت أينشتاين.

الأنطولوجيا التاريخية لمبدأ السببية: من الفلسفة الأرسطية إلى الفيزياء النيوتنية

يُعد أرسطو هو أول من أسَّس لهذا المبدأ في صورة نظريةٍ تأطيرية، وإلا فإن هذا القانون من البدهيات العقلية. وقد صاغه نيوتن فيما بعدُ بصورة أخرى في علم الفيزياء، في بعض قوانينه التي عُرفت بقوانين الديناميكا الحرارية، كما ذكرنا: «لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار، ومضاد له في الاتجاه».

أرسطو ومبدأ السببية

لكن ما الذي يجعلني أخوض في هذا الحديث؟

لأني أريد أن أهدي لك شيئًا من معرفتي الضئيلة، لا ادعاءً، بل مشاركةً وتأمُّلًا، عسى أن ينفعك في رحلة الحياة. ولا تحقرنَّ من المعرفة شيئًا؛ فإن الأمور الجلائل تبدأ بالشيء اليسير.

والنجاح في الحياة يقوم على قوانين ثابتة، وبعض هذه القوانين يبدو بديهيًا إلى حد الغموض! ولما كان أكثر الناس يتغافلون عن قانون هو أحد أركان الحياة، ودعامة من أوثق دعائمها، فأردت أن أسلِّط عليه الضوء تسليطًا مباشرًا لا مواربة فيه. فماذا يقول القانون؟

لكل فعل، مهما كَبُر أو صغُر، تعاظم أو تضاءل، مركزًا كان أو مشتتًا، قويًا أو ضعيفًا؛ ردَّةُ فعل لا تحيد عن أن تتناسب مع حجمه ومقداره.

فلا تظننَّ بحال أن تُردِف فعلًا ثم لا تحصل منه على نتيجة! هذا من المحالات العقلية. حتى إن كان هذا الفعل من البساطة إلى حد وضع إحدى راحتيك على الأخرى، أو ارتداء زيٍّ دون زيٍّ، أو النوم على فراش وثير أو طاولة من الخشب! فمهما كانت النتيجة بسيطة إلى حد التهافت، فإنها لا بد أن تكون موجودة. ومهما كانت غائمة إلى حد عدم رؤيتها من الأساس، فإنها لا تنفك عن أن تُحدث أثرًا ولو في الخفاء.

فلا تحسبنَّ أن تأتي بسبب ثم لا تستقبل نتيجة، ولكن الأعجب من ذلك هو أن تمارس نفس الفعل ثم تترقَّب نتيجة مغايرة في كل مرة! هذا السلوك يُعد أحد الحماقات العقلية، بل من أوضح صورها، كما نعته أينشتاين.

ينبغي أن يُدرَج هذا القانون على سقف القناعات الذهنية، وينبغي أن يكون على الدوام مُحتلًا لبؤرة التركيز؛ لأنه يعني ببساطة أن وضعك الحالي هو من صنيعك قبل أن يكون من صنع الظروف. لا ريب أن ثمَّة أمورًا خارجة عن حيز التصرف البشري، لكن حتى هذه الأمور تستتبع منك ردة فعل. وهذه الاستجابة ستكون بمنزلة فعل جديد يستوجب ردًّا جديدًا، وهكذا تتشابك السلسلة دون انقطاع.

السببية في المنظور الديني والقرآني: سننٌ لا تتبدل

إن هذا القانون يسري أيضًا على أمور الآخرة. لا أريد الخوض في مبحث ديني، فلست أهلًا لذلك، ولكني أريد أن أُجلي لك الحقيقة كاملة دون ترقيع ولا تزييف. فلا تتوقعنَّ بحال أن تقترف الكبائر وتنتهك حُرَم الموبقات، ثم تكون في الفردوس الأعلى من الجنة! نعم، قد يتجاوز عنك الله بفضله ومنه فيغفر لك، وربما دخلت الجنة، لكن ليس هذا هو القانون ولا هذه سنَّته الجارية.

ومن جهة أخرى، فإن القرآن كله مبني على مبدأ السببية. انظر إلى قوله تعالىولا تنازعوا (السبب) فتفشلوا وتذهب ريحكم (النتيجة)وانظر إلى قوله: ظهر الفساد في البر والبحر (نتيجة) بما كسبت أيدي الناس (سبب)، ليذيقهم بعض الذي عملوا (سبب)، لعلهم يرجعون (نتيجة).

وقوله: ولا تكونوا كالذين نسوا الله (سبب) فأنساهم أنفسهم (نتيجة)وقوله: والذين اهتدوا (سبب) زادهم هدىً وآتاهم تقواهم (نتيجة)وقوله: سارعوا (سبب) إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدَّت للمتقين (نتيجة)وقوله: من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن (سبب) فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (نتيجة)وهكذا في القرآن كله دون استثناء.

عندما يكون هذا القانون نُصْبَ عينيك، فسوف تكتشف بسهولة أين يكمن العطب وأين يبدأ الإصلاح.

  • سوف تدرك أن وضعك المالي المتردي قد يرجع -بل هو يرجع حتمًا إلى- تقاعسك عن الأخذ بأسباب الثراء.
  • أن عقوق أبنائك قد يكون ناجمًا عن عقوقك لوالديك، أو تفريطك في تأديب أبنائك.
  • أن تراكم ديونك مرده إلى قراراتك الخاطئة بشأن المال، وإسرافك في استخدامه.
  • أن وهن صحتك واعتلال بدنك يرجع إلى ممارسة الكثير من العادات السلبية بشأن الطعام والشراب.
  • أن عدم تقدير الناس لك سببه عدم تقديرك لهم.

باختصار، ستكتشف أن الخلل الكائن في بنيان حياتك قد يرجع مباشرة إليك، وأن الثغور التي تملأ عباءتك أنت من صنعتها، وأن النتائج ما تخلفت عنك إلا عندما تخلفت أنت ابتداءً عن خوض أسبابها بوعيٍ وإصرار. أنا لا أُنكر وجود أمورٍ كثيرة لا نملك التحكم فيها، ولست أريد أن ألقي باللوم عليك وحدك، ولكني على يقين أنك إن أخذت زمام المبادرة وتخلصت من شماعة الأعذار، فسوف تحصل على نتائج مختلفة ولو بعد حين.

نعم، قد لا تحصل على كل ما تريد في الحياة، لكنك ستبلغ منها قسطًا يفيض بالرضا على قلبك. فحسبك أنك لم تكن متخاذلًا، وأخذت بالأسباب إلى غاية ما تستطيع. وعندئذ، فلا ضير أن تُبتلى أحيانًا بتخلف النتائج من باب امتحان قوة إرادتك وصبرك لا نفيًا لجهدك.

فخ الإدراك القاصر: هل نتعامل مع حياتنا بعقلية الأطفال؟

إن عقل الطفل لا يفطن جيدًا إلى هذا القانون، فهو يتصرف بتلقائية مفرطة دون حساب للعاقبة، ولا التفات إلى نتيجة. هو ينفعل للأمور كأن كل شيء مباح؛ فلا النار تحرق، ولا البحر يُغرق، ولا السكين يقطع. وهو يرفض بشدة أن يرتشف الدواء، لأنه يعلم ما يظهر له فقط من قانون السبب والنتيجة؛ فليس الدواء عنده سبيلًا إلى التخلص من آلام العظام والحرارة التي تفري في جسده، بل هو مجرد شراب لا يستسيغ مذاقه، أو إبرة تنغرس في لحمه!

عقلية الاطفال

ولا يلزم من إلقاء نفسه من مرتفع أن يخر صريعًا، بل ربما استلزم في عقله شعورًا بالنشوة، وهو لا يدري أنه يلقي بنفسه إلى الردى. وإنما مثله في ذلك كقول القائل:

كعصفورةٍ في كفِّ طفلٍ يُسيمُها

حياضَ الردى، والطفلُ يلهو ويلعبُ

حتى إذا اتفق أن وضع يده في النار فاحترقت؛ علم أن النار تحرق. وإذا ألقى بنفسه فارتطمت رأسه بالجدار وتهشمت عظامها؛ عَلِمَ بذلك شيئًا من قانون السبب والنتيجة! وكلما كبرت سِنُّه أدرك كثيرًا من الأسباب وعلائقها بما تستتبعه من النتائج. فإذا اختمرت في رأسه تلك الأسباب التي تحفظ حياته، آب إلى سالف عهده، وارتدَّ إلى أول أمره من تدهور الإدراك!

ولكن عند هذا الحد تتبدَّى لفتة مهمة، وهي أن حتى ذلك الطفل الصغير يتصرف في الأمور من منطلق السبب والنتيجة! فليس يمنعه من تناول الدواء إلا ذلك المنطق. فلو أنه ما جرَّب مرارة الدواء قبل ذلك، لما امتنع عن تناوله، لا سيما وعقله مبرمج على حب التجريب ومزاولة الاستكشاف.

والفرق بينه وبين الراشد أن الأخير يمتلك إدراكًا مخزونًا من الأسباب المرتبطة بنتائجها، في حين أن الطفل لا يدرك من الأسباب ونتائجها إلا الشيء اليسير. فالدواء طعمه مرٌّ «هذا هو السبب»، وبالتالي فهو يأبى تناوله «هذه هي النتيجة». وهو ربط صحيح بين المقدمة والمخرجات، غير أنه يفتقر إلى إدراك كثير من الأمور الأخرى. فتناول الدواء يؤدي فعلًا إلىالتقزز من مذاقه، لكنه يؤدي أيضًا إلى الشفاء بإذن الله.

فهاتان نتيجتان يستطيع الأريب أن يفاضل بينهما فيختار منهما أعظمهما أجرًا. ولكن الطفل لا يستطيع عقد هذه الموازنة؛ إما لكونه لا يعرف إلا نتيجة واحدة، وهي التقزز من مذاق الدواء المر، ولا يعلم عن قدرته على العلاج شيئًا، وإما أنه يعلم ذلك ولكنه لا يستطيع التمييز بين أفضل النتيجتين، وإما أنه يعلم ذلك ويستطيع التمييز بين المزايا، لكنه يفتقر إلى القدرة على اختيار الأفضل لكونه يذعن قهرًا إلى الرغبات الآنية.

إن المؤسف حقًّا أن نتعامل نحن الكبار مع الأمور الجسام على غرار الطفل ذي الإدراك القاصر! إذا اختار أحدهم أن ينام أكثر النهار، ويقضي عامة ليله في مشاهدة التلفاز، ينبغي عليه أن يراجع قانون السبب والنتيجة، بل عليه كذلك أن يسأل نفسه: لماذا يتعامل بعقلية الطفل مع هذا الأمر الجسيم؟! فهذه الطريقة الحياتية المعتلة تؤدي إلى نتيجتين:

الراحة والدعة من جهة، والتأخر في مناحي الحياة من جهة أخرى.

ومن ثم ينبغي عقد موازنة بين هاتين النتيجتين، وهو معلوم بكل تأكيد. فإذا ألفى المرء من نفسه استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، فإن عليه أن يتساءل: أين هو من عقلية الطفل؟

هل هو لا يعلم سوى نتيجة واحدة، وهي أن النوم مجلبة للراحة، ولكنه يجهل تمامًا أنه كذلك مجلبة للفقر والديون وغيرها؟ أم أنه يعلم كلا الأمرين، ولكنه لا يستطيع التمييز بين أجدرهما نفعًا؟ أم أنه يعلم كلا النتيجتين، ويعرف أفضلهما، ولكنه يفتقر إلى القدرة على إرجاء الرغبات الآنية؟

ولا شك في أن جميع المراحل تطعن في اكتمال إدراكه ونضوج القدرة التمييزية لديه. ولكني لا أشك كذلك أن أغلب من يقعون في هذا الخطأ الفادح هم في المرحلة الثالثة، وهي عدم القدرة على اختيار الأفضل خضوعًا للذات السفلى.

إن ما بين الجنة والنار، بين النجاح والفشل، بين المفضول والفاضل؛ ليس إلا موازنةٌ من عقل راجح يمتلك القدرة على توجيه زمام الدابة. إن ما بين الصحة والاعتلال مفاضلة بين ممارسة التدخين وممارسة الرياضة، وبين الغنى والفقر، وبين السعادة والشقاء… إلخ. وبالتأكيد توجد أمور كثيرة بين كل صنف من هذه المتضادات، ولكني أتحدث عن الجانب الذي يخصك أنت، عن القسط الذي يمكنك التحكم فيه.

إذا عُلم قانون السبب والنتيجة، وهو معلوم لدى العقلاء جميعًا، فإن التالي هو: سوق النفس طوعًا أو كرهًا إلى اختيار الفاضل وطرح المفضول. إن مجرد العلم بهذا القانون لا يُغني عن تنفيذه – على الطريقة المثلى – مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك.

فلو أننا أردنا أن نستخلص مما سلف بعضًا من قوانين النجاح، لكانت على النحو التالي، بالترتيب:

  1. العلم بقانون السبب والنتيجة.
  2. قانون المفاضلة بين النتائج الحادثة عن سبب واحد.
  3. القدرة على اختيار الأفضل من داخل النفس، فيما يُعرف بقوة الإرادة، ويدخل فيها: القدرة على إرجاء الإشباعات، والقدرة على اختيار الربح البعيد على المكسب القريب.

فكِّر معي في هذا الأمر؛ النجاح والفشل ليسا سوى نتائج لأسباب معينة. فمتى أخذتَ بأسباب النجاح فأنت على وشك بلوغه، ومتى أخذتَ بأسباب الفشل فسوف تفشل لا محالة. ما الذي يعنيه ذلك؟ الذي يعنيه ببساطة هو أنك المسؤول الأول والمباشر عن النتيجة الراهنة.

فصام السلوك: لماذا نختار أسباب الفشل ونحن نعلم النتيجة؟

والآن يداهمنا سؤال يفرض نفسه فرضًا: أليس كل الناس يرغبون في النجاح؟ أليس كل الناس لا يريدون الفشل؟ إذا كان الجواب البديهي عن ذلك هو: بلى، فما الذي يجعل طالبي النجاح يسلكون أسباب الفشل، ومبغضي الفشل يعزفون عن أسباب النجاح؟!

هل هو الجهل بالأسباب والنتائج؟ أم عدم القدرة على التمييز بين طبقات النتائج في الأفضلية والدونية؟ أم الافتقار إلى إرادة حازمة مستضيئة بالبصيرة؟ دعنا نستوضح الأمر من خلال مثال التدخين:

المدخن يعلم قانون السبب والنتيجة، ويعلم أن التدخين يؤدي إلى الموت على المدى البعيد، وإلى الأمراض القاتلة على مدى أقرب، وإلى أمراض بسيطة على المدى الأكثر قربًا. فإن سألته: هل تعرف أن التدخين يؤدي إلى هذه الكوارث؟ فسيجيبك: نعم. فإن قلت له: فهل تحب أن تموت أو تُصاب بهذه الأمراض بسبب تدخينك؟ فسيقول: لا.

المدخن وقانون السبب

إذن فهو يعرف قانون السبب والنتيجة، ولديه القدرة على التمييز بين النتائج. إذن فالمشكلة لا تكمن في المعرفة ولا في التمييز، بل في القدرة على اختيار ما يعلم أنه الأفضل. وهذا يدفعنا للبحث عن الأسباب وراء هذا التصرف الذي يُشبه الفصام:

ثنائية المشاعر والعقل: التفسير العصبي لتعطيل قانون السببية إراديًا

لماذا يتنكر الناس لقانون السبب والنتيجة مع تمام علمهم به؟ الإجابة في النقاط التالية:

1- العلم وحده ليس هو المحرك للسلوك البشري، بل غالبًا ما يكون المحرك هو المشاعر. فالتدخين – بحسب رؤية المدخن – يؤدي إلى الراحة والهدوء والاسترخاء والسعادة والتخلص من شعور الحرمان.

إذن فالمحرك في هذه الحالة ليس العلم، وإنما المشاعر. بدليل أنه يقينًا يعلم مخاطر التدخين وأضراره، ولكن قوة المشاعر غالبًا ما تغلب قوة التعقل. ومع ذلك، فإن المشاعر ليست هي المحرك الأوحد للسلوك، وإلا لاستحال ضبط السلوك الإنساني، بدليل:

أننا لو قلنا للمدخن مثلًا: لقد أعددنا لك وجبة لذيذة، وسوف تستمتع بها حقًا، ولكن توجد مشكلة بسيطة، وهي أنها تحتوي على سمٍّ قاتل؛ فإنه لن يتناولها! لماذا، إن كانت المشاعر هي المحرك للسلوك؟ الجواب في السبب الثاني:

2- أن المدخن يفصل العلاقة بين السبب والنتيجة على المستوى الشعوري الواعي إدراكيًا لا وجدانيًا. فنعم، سوف يؤدي التدخين إلى الموت والأمراض، ولكن ليس الآن! وإمعانًا في تمييع الحقائق، سوف ينتحل له العقل الكثير من الشواهد!

لقد عاش جدي إلى التسعين وهو مدخن! والعجيب أنه مات وهو في كامل الصحة والعافية، والأعجب أنه مات في حادث سيارة وليس بسبب سرطان الرئة! وواضح جدًا أن هذه مجرد دفاعات نفسية وليست حججًا عقلية.

3- تضخيم المشاعر المرغوبة وتهوين المشاعر المبغوضة: فالإسراف في النفقة مثلًا قد يؤدي في المستقبل البعيد إلى الفقر والديون، ولكننا أبناء اللحظة! فلنستمتع بتلبية رغبة الآن، وغدًا سيرزقنا الله غيرها! (هكذا يُحدِّث المسرف نفسه).

والمدخن يقول: لا يلزم من التدخين أن أُصاب بهذه الأمراض، قد لا أُصاب بها أصلًا، وقد تأتيني في نهاية الأجل. فلماذا أؤخر متعة حاضرة لأجل هاجس نفسي قد لا يحدث أبدًا؟

4- العادات المتأصلة -فضلًا عن الإدمان الراسختُغيِّر معادلة السبب والنتيجة على مستوى الشعور والاختيار:
نعم، توجد تغيرات كيميائية تحدث في الدماغ تؤثر على منطقة اتخاذ القرار. المادة الرمادية في الجهاز العصبي تتناقص، وهرمونات النشوة الواهية تتصاعد، وتنشئ لها مستقبلات جديدة حتى تصل إلى حد عدم الشبع!

ولولا الإطالة لاسترسلت في تحليل هذه الظاهرة العجيبة بقدر ما أوحى لي به التأمل فيها. ولكن باختصار شديد، قد يتنصل المرء من هذا القانون مع تمام علمه بسريانه لأن الرغبة أقوى من المعرفة، والحاضر أقوى من المستقبل،
والنفس أقوى من العقل حين تُترك بلا تقويم ولا تهذيب.

تطبيقات قانون السبب والنتيجة على حياتك

يُعد هذا القانون أساس الخلق والحياة والمجتمعات والإنسان جميعًاولكن دعنا ننظر إلى تطبيقاته على المستوى الفردي، لأن آثاره تتجلى بوضوح مباشر، وهو ما سيفيدك أنت في حياتك:

1- لا تتوقع أن تحقق أهدافك دون بذل ثمنها: لا يوجد شيء بلا ثمن في الحياة. نعم، توجد هبات ربانية لا تُحصى، ولكني لا أتحدث عن ذلك. إنك لن تشبع حتى تتناول الطعام؛ فكيف تقبل أن تنجح في الحياة دون أن تدفع ثمن النجاح؟!

2- أخطاؤك التي ترتكبها لا بد لك أيضًا من دفع ثمنها: هذا شيء مؤسف حقًا، لكنه الحقيقة التي لا محيص عنها. مثال بسيط؛ لو كان من عادتك أن تتأخر عن الذهاب للعمل، فلا تنسَ أبدًا أنك ستدفع ثمن ذلك على المدى البعيد.

3- الخطوات البسيطة ليست شيئًا تافهًا: فبما أن السبب يؤدي حتمًا إلى نتيجة (كما اتفقنا)، فلا تظنن أن قراءة صفحة في كتاب شيء تافه، ولا أن الركض لمدة دقيقة واحدة يوميًا شيء بلا قيمة، ولا أن نظرة في صورة خليعة أمر عادي! أبسط مثال على ذلك هو أن إدمان الإباحية يبدأ من نظرة عابرة لا يُولي الإنسان لها بالًا!

4- مشاعرك الحالية هي نتيجة لسلوكيات وأفعال قمت بها: فربما تشعر الآن بالهم والحزن (وهو نتيجة) لأفعال قمت بها، أو قام بها غيرك. فإن كنت أنت الفاعل، غير الفعل تتغير النتيجة، وإن لم تكن الفاعل، فاستأنف أنت فعلًا يولد نتيجة مختلفة. ببساطة، كن مبادرًا ولا تكن مجرد رد فعل.

5- الإرادة عضلة، والمعرفة خريطة: من تطبيقات قانون السببية أيضًا أن الإرادة ما هي إلا عضلة تنمو بالمران، وتضمحل وتضمر بالإهمال. لكي تحقق أهدافك (نتيجة)، لا بد من امتلاك إرادة قوية (سبب)، وهذه الإرادة بحد ذاتها هي أيضًا نتيجة تحتاج إلى سبب يؤدي إليها، وهو المران والتدريب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة
بقلم عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
بقلم عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
بقلم عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن