مع أنه تجاوز الـ70 من عمره؛ فإنه ما زال يتمتَّع بحضور أدبي كبير ونشاط لافت، وما زال يكتب بالشغف نفسه الذي بدأ به مسيرته الأدبية، إنه الكاتب الفلسطيني الأردني الكبير جميل أبو صبيح الذي يرفع راية التجديد والثورة في القصيدة العربية الذي تحمل تجربته كثيرًا من البصمات المدهشة والخاصة بين كُتاب هذا الجيل، وهو ما يجعلنا نتناول في هذا المقال أهم ملامح عالم جميل أبو صبيح الأدبي، وكذلك أهم المحطات التي مر بها في حياته منذ ولادته في أريحا حتى اليوم.
اقرأ أيضًا: في ذكرى رحيل شيخ القصة العربية محمود تيمور
مولد جميل أبو صبيح والنشأة
وُلِد جميل محمود أبو صبيح في مخيم عين السلطان في مدينة أريحا يوم 28 أغسطس عام 1953، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي في المخيم نفسه، واستطاع الحصول على الشهادة الثانوية من المدرسة العربية في العاصمة عمان عام 1970، وأكمل دراسته في جامعة دمشق التي حصل منها على شهادة البكالوريوس في تخصص اللغة العربية عام 1975، وأكمل دراسته بالحصول على دبلوم اللغة العربية في جامعة القديس يوسف هناك في لبنان عام 1979، ولم يكتفِ بذلك بل توج دراسته الأكاديمية بالحصول على شهادة دبلوم الفلسفة في الجامعة الأردنية عام 1986.
حياة جميل أبو صبيح
بدأ الشاعر والمفكر الكبير جميل أبو صبيح حياته العملية وهو في السنة الأولى من الجامعة، إذ كان يكتب الشعر ويعمل في تحرير الأخبار، حتى إنه اتَّجه إلى الصحافة بعد ذلك ليعمل محررًا أدبيًّا في عدد من المجلات والصحف العربية، ولا سيما في منطقة الخليج، إضافة إلى ارتباطه بوظائف حكومية في التربية والتعليم في دولة قطر ومنطقة الخليج منذ عام 1979 حتى عام 2002، ومن أهم الصحف التي عمل بها صحيفة الاتحاد الإماراتية.
كان دائمًا جميل أبو صبيح طرفًا فعالًا في المشهد الأدبي الأردني، إذ كان عضوًا في رابطة الكُتاب الأردنيين منذ نشأتها عام 1974، وأصبح رئيسًا للرابطة منذ عام 2011، إضافة إلى نشاطاته خارج الأردن، إذ يُعدُّ جميل أبو صبيح عضوًا في اتحاد الأدباء العرب واتحاد كُتاب إفريقيا وآسيا، وفي الأردن يتولَّى جميل أبو صبيح رئاسة اللجنة القائمة على مهرجان الزرقاء الدولي للشعر، ويُشرف على ملتقى القصة، وهو مجهود كبير يحرص الشاعر الكبير على أدائه بمنتهى الحماس وكأنه شاب في الـ20 من عمره!
يُعدُّ الشاعر جميل أبو صبيح أحد أعلام الثقافة الأردنية والعربية في النصف الثاني من القرن الـ20، إضافة إلى محاولاته الجادة في التجديد داخل النص الأدبي، وهو ما يتوازى مع نشاطاته الثقافية والفاعليات التي يحرص على المشاركة فيها باستمرار على نحو مؤثر، وهو من الشخصيات المحبوبة في الوسط الثقافي الذي غالبًا ما يجمع عليه الكُتاب والنقاد والأدباء على المستوى الإنساني، إضافة إلى نشاطه ودأبه الشديد وحماسه الكبير وتواضعه مع كل من يتعامل معهم على نحو لافت، وكأنه ليس ذلك الشاعر الكبير المعروف الذي يضعه النُقاد بين نجوم الصف الأول في مشهد الشعر العربي الحديث.
وتُعدُّ المدة الطويلة التي قضاها الشاعر الأردني جميل أبو صبيح في منطقة الخليج العربي من أهم أيام حياته، إذ كان أحد صُنَّاع الثقافة والمناخ الأدبي هناك؛ لعمله في قطر وفي عدد من الصحف، وعلى رأسها صحيفة الاتحاد، وهي التجربة التي عاد منها جميل أبو صبيح إلى الأردن وهو يحمل في صدره وعقله مشروعًا ثقافيًّا كبيرًا، وكانت مدينة الزرقاء هي الأرض الخصبة المناسبة لهذا المشروع، حيثُ مركز (الملك عبد الله الثاني الثقافي) الذي استطاع بواسطته الأديب الكبير وضع أفكاره وتصوراته على أرض الواقع، وتحقيق الأحلام التي كان يحلم بها الشاعر الكبير مع زملائه من الكتاب والمفكرين عندما كانوا يجلسون منذ عشرات السنين في صالون الحلاقة الخاص بالشاعر الراحل عدنان علي خالد في المدينة نفسها، هو ما حدث فعلًا، فقد استطاع جميل أبو صبيح أن يصنع حالة ثقافية خاصة ومتفردة وجاذبة وملهمة أيضًا في مدينة الزرقاء قلَّما تشهدها مدينة عربية أخرى.
أدب جميل أبو صبيح
عندما نتحدَّث عن أدب جميل أبو صبيح، فنحن نتحدث عن مراحل عدة مر بها مشروعه الشعري الذي بدأ منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، لكن أول دواوينه نُشِرت عام 1980 بعنوان (الخيل)، وهي المدة التي انحاز فيها الشاعر جميل أبو صبيح إلى قصيدة التفعيلة التي كانت في ذلك الوقت شكلًا جديدًا وثوريًّا على مستوى القصيدة العربية، مع أنه كانت له بدايات في القصيدة العمودية، وهو ما أثَّر عليه في كتابة قصيدة التفعيلة، فقد تتميز قصيدته بالنفس الطويل الذي قد يمتد إلى كتابة 50 بيتًا في القصيدة الواحدة.
ومع الوقت بدأ الشاعر صاحب الوعي الكبير في كتابة قصيدة النثر بشجاعة كبيرة في الثمانينيات من القرن الماضي، ثم اتجه إلى ما أسماه هو بنفسه (السرديات) التي يشير إليها بكونها الشكل الجديد في القصيدة العربية، كما يتحدث عن نفسه بكونه أحد رواد التجديد في النص الشعري العربي، ويؤكد أن هذا النمط هو مستقبل الكتابة، لا سيما مع عدم قدرة القصيدة العربية على التطور على مستوى اللغة، وهو ما يجعلها تحتاج إلى الاعتماد على اللغة البصرية، إذ يقول جميل أبو صبيح: "من لم يجدد لغته فالقطار لا ينتظر أحد".
وعلى الرغم من تفاوت آراء النُقاد والشعراء أنفسهم في سرديات جميل أبو صبيح، فإننا نحسب للشاعر الكبير رغبته في التجديد والتجريب وعدم ركونه إلى السباحة في المياه الهادئة، لا سيما أنه يقول عن سردياته إنها نوع جديد من الكتابة تعتمد على المشهدية والصور المتوالية كونها بديلًا لقصيدة النثر التي يرى الشاعر أنها أصبحت مجانية.
من ناحية أخرى، فإن الشاعر الأردني جميل أبو صبيح قد حظي بتقدير كبير على المستوى العربي والدولي، فقد يعده النُقاد أحد الشعراء الذين صنعوا نمط القصيدة العربية والمشهد الشعري في القرن الـ20، إضافة إلى ترجمة عدد من أعماله إلى لغات عدة؛ فعلى سبيل المثال تُرجِمَت مجموعته الأخيرة (سرديات الضوء) إلى اللغة الإنجليزية، إضافة إلى اختيار قصيدته (سردية الشمس) من قبل الشاعر الإيطالي (ماريو ريلي) لتترجم من اللغة الإنجليزية إلى الإيطالية، وقد اختير شاعر العام في عام 2017 من قبل دار (أينر تشايلد) الأمريكية.
أعمال جميل أبو صبيح
يُعدُّ الشاعر الأردني الكبير جميل أبو صبيح من الكُتاب أصحاب الإنتاج الغزير، إضافة إلى همه الكبير بالتجديد والوصول إلى فضاءات جديدة، وهو ما ظهر في 11 ديوانًا شعريًّا صدر منذ عام 1980 حتى الآن، والجميل أنها صادرة عن مؤسسات عريقة على مستوى الوطن العربي، إضافة إلى أعمال شعرية أخرى صدرت له بالمشاركة مع شعراء وكُتاب آخرين/ غير أن الشاعر جميل أبو صبيح يمتلك كثيرًا من النصوص والكتابات النقدية والمخطوطات التي لم تُنشر حتى الآن، ومن أهم أعماله المنشورة أو المكتملة:
- ديوان الخيل 1980
- ديوان البحر 1980
- ديوان مسيرة الصباح الوحشي 1982
- ديوان تماثلات 1986
- ديوان الهجرات 1989
- ديوان الخيل البحر الجسد 1993
- ديوان البراري 1995
- ديوان الأمطار 1996
- ديوان أشجار النار 1999
- ديوان الجمر 2000
- ديوان سرديات مضيئة 2017
مقتطفات من أشعار جميل أبو صبيح
من قصيدة الهجرات:
ريح.. دم .. هذه باريس
عرس وحشي لخصي وبغية جسدان من الفتنة
و الروحان كذئبين يجران ضحية
حلم كان عشيق الرمل يعترف الآن بحاجته للحكمة
بالموت على حاشية الطرق الصحراوية
كان يخاف الإسفلت الممتد من جسر المقطع حتى باب مخيمه
في إحدى السفرات المرة طار إطار السيارة فاحتمل الرمل
العساف النعش وجاء إليه لكن دليله حضنته وسحت دمها في دن كثيب الرمل
أيصدق هذا شيخ بدوي يطرد خيله
في عاصمة البرق في صحراء تدعى باريس
من قصيدة سفر المدائن:
حملتني المدائن أبوابها ورمتني ليتني ما نثرت نجومي عليها ولا أرضها ولدتني
أرضعتني حليب بوائقها وبها أورق الصدر في ليلك الحلم ثم محتني
والصبايا على نهرها يغتسلن بضوء الضحى والفتى على شاطئ النهر يبذر أسراره
لا النهار لديه نهار ولا الليل يغزل أقماره
سكبت لي عصير مفاتنها وسقتني ليتني ما نثرت نجومي عليها ولا شمسها غزلتني
حملتني على الشوك أسرارها ورمتني
من قصيدة الجمر:
في ألف عام تجيء ومن بعدها ألف عام
هل تقوم القيامة والراحلون إليها نيام
قد يكون غير أن قيامتنا قائمة
و وراء حجاب شفيف من الضوء ألوية وحديد يموج ودنيا من النار
فيها تصول بيارق خضراء في جرجرات الضرام
ها هي الآن نهر خفي يشق بساتين محترقة
تقذف النار في ضفتيها وتوقد أسرارها في الزحام
تتناسل من جوهر نسيته ببذرة فطرتها
بارقا سانحا أو نشيش رذاذ من الضوء
يمحو من النار عنصرها ومن الجمر جمرتها
ومن اللهب الآدمي قلق الكلمات وتوقظ حقل الرماد
من قصيدة شجرة الكون:
أوراق الشجرة كثيفة لم يكن الفصل خريفيا لتتساقط
ولم يكن ربيعيا لتخضر كان الوقت كله فصلا كاملا
وكانت أنهار الفصول مجتمعة نهرا واحدا
نهرا كبيرا من المجرات هل تنام المجرات وتنهض من نومها صباحا
ألسنة نارية في شبابيك المرايا والمرايا سماء
والمساء يغفو على سرير من الموسيقى وأنا بين قبرين
رأسي على حجر مخيلتي غابات وفضاءات بحار
والقمر الذابل بأضوائه المريضة ينعس
وفي نهاية هذه الجولة السريع في عالم الشاعر الأردني الكبير صاحب الأصول الفلسطينية جميل أبو صبيح نرجو أن نكون قدَّمنا لك المتعة والإضافة والحماس لقراءة أعمال هذا المبدع الكبير
ويُسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.