في وجه العالم

صوتكِ في حنجرتي الخرساء...

أخبرني صديقي، أنكِ في صباح غامض، كومتِ أشياءك في ركن مظلم من حجرتك، ثم أغلقتِ بابكِ الخشبي في وجه العالم، وخرجت ولم تعودي إلى الآن.

حاولتُ افتعال الحزن، أمام صديقي المتيم بكِ، لكن قلبي كان يرقص فرحاً؛ قلت لنفسي في ثقة: ثمة طريقة أخرى للتلاشي، ستعثر عليها قريباً، نعم ثمة طريقة أخرى ستعثرين عليها في الأرض الواسعة.

أنا واثقة تماماً من أن الأرض ستبوح لك بسرها، ومن ذَا الذي لا يبوح لك؟! أعرف أنكِ ترين الموت نهاية ساذجة، ثم ما هذا الشيء المسمى بالموت، القادر على ذبحك؟!

من الذي يقدر على حمل أوجاعك ليضعها في قبر بائس؟

أعرف جيداً، تلك الصباحات التي تحفزنا على الذهاب بعيداً، أتخيلكِ الآن، وأنت تجوبين الأرض، بحذاء خفيف، وشعر متطاير، تحلمين بتساقط أعضائك، تحلمين بالذوبان على طريقتك الخاصة، لكن قولي لي: أين ستسقط حنجرتك؟ هل ستنتهي ببساطة مثل كل الأشياء؟!

هل تسمحين لي بأن نجلس معاً، للمرة الأولى والأخيرة، على حافة العالم؛ نلف أحزاننا وندخنها في صمت؟ هل تسمحين لي بأن أزرع صوتكِ في حنجرتي الخرساء؟

أجلسُ أمام رجلٍ

دائماً،

كان هناك

رجل

يجلس أمام الباب

(لم يكن بيتنا سوى عدة جدران

ورجل ينتظر أمامه)

وأنا في الداخل

أُقلِّب العالم،

أمسكه بيدي،

أعصره،

أُقطِّعه إربا،

لم يسقط شيء،

لم يهبط الرب من السماء،

لم يأتِ الموت،

ما الذي ينتظره رجل من امرأة

تحلم بجثة؟

في الخارج

أمزق العالم،

وفي الداخل

أمزق نفسي،

أجلس أمام الرجل

اليدان متشابكتان،

ثوبي يتفتق،

ألملم أجزائي دون جدوى،

الرجل أمامي

يصغر،

يتكثف،

حتى يصبح

قفلا كبيرا

على باب بيتنا!

 لم يعد لي بيت

 

في بيتي القديم،

كنت أجيد تحطيم الجدران؛

كان بيتاً ليناً،

وقريباً من الأرض

باتكاءة واحدة على الجدار،

كنت أجدني في الشارع،

فجأة

لم يعد لي بيت

مشيت،

قفزت إلى أعلى

طوحت الهواء

صرت ضائعة

مشيت أكثر،

مزقت أشياء أخرى،

ورغم ذلك،

أحدثكم

الآن

من خلف الجدران

 كان هناك سقف

من بعيد،

بدا بيتنا مطعونًا بشيء ما؛

رأيتُه عاريًا

 كان هناك سقف

يضغط بقوة على رأس أبي،

حتى جعله كتلةً مُعتمة،

من تلك النقطة البعيدة

رأيت بيتنا يتلاشى،

خلفي سنوات قليلة،

يمكن فرشها

حصيرةً من الخوص في مأتم،

وأمامي بيت تبتلعه الأرض،

لكنني كلما اقتربت

رأيته مجسمًا،

عندما أكون بعيدة

أرى كل الأشياء تتلاشى،

وعندما أقترب

أجد نفسي واقفة

وسط الركام

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية