في معركة الوقت… هل نحن من نختار العزلة أم هي التي تختارنا؟

تجلس في غرفتك بين رفوف الكتب القديمة تشعر بأن الهدوء الذي يملأ المكان ليس إلا قناعًا ثقيلًا يغطي قلبًا امتلأ بضجيج الأسئلة، لماذا أصبحنا نخاف العزلة؟ ولماذا كلما أغلقنا بابًا على أنفسنا تهاوت في الداخل مئات الأبواب؟

يقولون إن العزلة خيار.. لكنني أراها أحيانًا قدرًا يشبه ظلًّا يلاحقك أينما ذهبت، حتى وسط الناس. تكتشف فجأة أن الوحدة لا علاقة لها بعدد المقاعد المملوءة حولك، بل بتلك المسافة اللامرئية بينك وبين الآخرين.

الذين لا يفهمون عشقنا للكتب يظنون أننا نهرب منها، وأننا اخترنا الانسحاب خوفًا من الواقع. لكن الحقيقة أبسط وأعقد في آن: نحن لا نهرب، نحن نبحث عن ملاذ يليق بأسئلتنا التي لا تجد إجابات في أحاديث العابرين. نحن نحاول أن نتصالح مع هشاشتنا، أن نربت على قلوبنا المرتبكة ونقول لها: لا بأس… إن لم تجد أحدًا يشاركك صمتك، فلتكن الكتب رفيقتك.

هل تعرف تلك اللحظة التي ترفع فيها عينيك عن الصفحة وتغمر روحك مرارة حلوة؟ كأنك تكتشف أن الكلمات التي كتبت قبل عشرات السنين كُتبت خصيصًا لك. كأن الكاتب جلس ذات ليلة في عزلته، يخط جملًا يعرف أنك ستحتاج إليها يومًا ما لتواسيك.

حين نتحدث عن العزلة، لا بد أن نميّز بين الوحدة والاختيار، الوحدة تنبت في قلبك مثل عشب بري، لا يطلب إذنًا لينمو. أما العزلة الواعية، فهي قرار شجاع بأن تمنح نفسك فرصة للإصغاء لصوتك الداخلي، أن تعرف ماذا تريد فعلًا، بعيدًا عن ضوضاء التوقعات.

ربما لهذا السبب صرت أحب عزلتي أكثر مع الوقت. لا لأنني انطفأت، بل لأنني صرت أعرف أن الحياة قصيرة جدًا لأقضيها في محاولات مستمرة للشرح والتبرير. صرت أقدِّر القليل من الصدق والكثير من الصمت.

في النهاية، العزلة ليست دائمًا لعنة. أحيانًا تكون الطريق الوحيد لتلمَّ شتاتك، لتكتشف أنك لم تكن ضائعًا كما توهَّموا… بل كنت في رحلة بحث عن نفسك الحقيقية، تلك التي لا يراها أحد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة