في مديح السرد.. جنازة جديدة لعماد حمدي ورد الاعتبار للفنان المهزوم

كيف يمكن أن يتعايش المتمرد مع المحافظ، الفن بجوار السلطة، المتحول مع المستقر، روح الفنان القلقة المـُتشككة مع روح الضابط الواثقة والمتعجرفة بثقتها؟ وماذا يحدث لروح الفنان عندما يتم هندمتها لتناسب قامة الضابط والعكس؟

اقرأ ايضاً أحمد مراد للمبتدئين.. كل ما تريد معرفته عنه منذ بداية حياته ومسيرته المهنية

نبذة عن الرواية "جنازة جديدة لعماد حمدي"

ما مصير التحالف الجهنمي السري بين الدولة وبين مملكة الخارجين على القانون؟

هذه بعض أسئلة رواية وحيد الطويلة، جنازة جديدة لعماد حمدي، لكن عليك أن تنتبه إن كنت أمام كاتب مولع بالتجريب، لا يقدم لك عالمه دفعة واحدة، بل سرده يتدفق دفقة دفقة ليبني عالماً متشابكاً ومعقداً.

من بداية الرواية يضعك الطويلة أمام الحدث دون مقدمات، ضابط مباحث سابق يهوى الفن التشكيلي، دخل كلية الشرطة بناء على رغبة والده في طريقه لحضور جنازة ابن مجرم عتيد، كبير دولة المرشدين، والذي كان سبباً في إحالة هذا الضابط للمعاش.

بعد تسرب علاقة الضابط (فجنون) بالمرشد (ناجح) وفي طريق رحلة الضابط إلى تلك الجنازة يغوص بنا الراوي في تلك العوالم السفلية لدولة الخارجين والمارقين عبر شخوص عديدة قدمهم السرد سريعاً رابطاً كل ذلك بهذا التحالف السري بين الدولة والسلطة والخارجين على القانون.

هذا التحالف بالتأكيد مشروط ومؤقت، وغالباً ما ينتهي بأن يأكل طرف منهما الطرف الآخر دون أن ينتهي هذا التحالف الأبدي بالتأكيد، لكن روح الفنان هنا انتصرتْ على روح الضابط، فالفنان أكمل طريقه إلى الجنازة بينما استقبله المرشد السابق بطريقة محايدة ربما أقرب إلى اللامبالاة.

اقرأ ايضاً ملخص رواية ذات أمس ومعلومات عن الكاتبة صابرين الديب

الكاتب وحيد الطويلة

لم يهتم الكاتب وهو يقدم لنا عالم المجرمين المرعب والغريب بمحاكمتهم، يقدمهم في صورتهم البشرية الخالصة والمعقدة، أيضاً صورة الضابط هنا غير نمطية وهي تُخالف صورة الضابط الجلاد التي قدمها الكاتب في روايته السابقة "حذاء فليني".

فهو هنا فنان وحساس ولديه عمق إنساني وربما هنا تتجلى محنته، وتتجلى رمزية الرواية إذ أنت هنا أمام انسحاق الفن أمام السلطة، الحلم أمام الواقع.

لا مجال هنا للفن وأسئلته وقلقه، المتاح الوحيد هو السكون والجمود والاستقرار، وهل هذا التحالف بين السلطة وعوالم المساجين إلا من أجل تحقيق هذا الاستقرار المتوهم والذي يقتل في طريقه كل رغبة في الإزاحة والتمرد والحلم؟

وربما من هنا ندرك لماذا سار في جنازة الفنان عماد حمدي التي استلهمتْ الرواية اسمه نفراً قليلاً، ولماذا على حد قول الكاتب لو مات مدير أمن القاهرة لامتلأ ميدان التحرير على آخره؟

على ذلك فالعنوان ليس رد اعتبار لشخص عماد حمدي بقدر ما هو تكريم لشخصية الفنان المهزوم.

اقرأ ايضاً مراجعة كتاب عمر طاهر "من علم عبد الناصر شرب السجائر".. كل شيء في الحياة له وجه آخر

بنية السرد في الرواية

تعتمد بنية السرد في الرواية على بناء سردي خاص جدًّا، يتلاعب الطويلة بالراوي من خلال تنويع استخدام الضمائر ما بين ضمير المتكلم وضمير المخاطب والذي يجعل القارئ متورطاً في السرد والحدث.

وإن كان البعض يعيب على الطويلة استغراقه في الحديث إلى بطله وكثرة الأوامر والنواهي إليه إلا أنني أرى أن الراوي هنا هو الصوت الداخلي لشخصية الضابط، الطرف النقيض له.

ولا تنس أن شخصية الضابط نفسها ملتبسة ومزودجة بين الفنان والعسكري، كل ذلك عبر لغة نسجها الكاتب من خلال هذا العالم، لغة جماليتها تنبعث من واقعيتها.

تحية للمايسترو الكبير وحيد الطويلة على إبداعه المتألق دوماً والذي لم يخيب ظن قارئه بعد روايته الفاتنة "باب الليل" ورائعته "حذاء فليني".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة