أي إنسان هو إنسان القرن الواحد والعشرين؟ وفي أي خانة وجب تصنيفه؟ الأذكى أم الأغبى تاريخيًا؟ هل يختلف كثيرًا عن الإنسان الذي عاش في القرون الماضية؟
من مطلع هذا العام بات موضوع (الذكاء الاصطناعي) على سيرة كل لسان، ليس في أمريكا أو الصين فحسب، بل في كل مكان بدءًا من مقاهي الحي البسيطة، وصولًا إلى الشركات العملاقة، خاصة شركات التكنولوجيا، فبدأ كثيرون يتحدثون، بل يتوقعون كيف سيتطور العالم في ظل تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي؟
من المؤكد أن بعضهم يؤكدون على إيجابياته الكثيرة، وينتظرون رخاءً ونعيمًا سيعيش فيه الإنسان بفضل تسهيل التقنيات الحديثة لحياته، في حين يرى آخرون (ديستوبيا) قادمة لا محالة، ويتوقعون اختفاء عدد من الوظائف والتخصصات في السنوات القادمة.
بيد أن المعضلة الحقيقية التي أرى أنها يجب أن تناقش بقوة، هي معضلة الإنسان، كيف يعيش إنسان هذا القرن الذي يشهد التاريخ أنه الأسرع تطورًا بين العصور الماضية كلها، ما هذا الإنسان؟ وكيف يرى نفسه في ظل هذا التسارع؟
العيش في عصر مضطرب..
بينما اعتاد أجداده الاستيقاظ عند أول شعاع شمس يسطع في السماء، يستيقظ إنسان هذا العصر على صوت منبه مزعج، يعلن نهاية أحلامه السعيدة وبداية يوم كفاح جديد، يتناول فطوره على مضض، أو لا يتناوله أبدًا، ثم ينطلق سعيًا بين الشوارع والأزقة الواسعة وبين ضجيج الحافلات أو المترو، ويضع سماعات ليهرب من الضوضاء التي لا تنفك تلاحقه أينما ذهب، ويستمع إلى موسيقى تناسب ذوقه، وتجعل اليوم أقل سوءًا.
هذا إنسان على الرغْم من حقيقة امتلاكه كل أساسيات العيش الضرورية وغير الضرورية، لكنه يطمح دائمًا في الحصول على المزيد، تطارده الإعلانات أينما ذهب في الشارع، على التلفاز والراديو، وفي هاتفه الذكي الصغير، فيظل هذا الإنسان أسير رغبات غير محدودة، يتطلع إلى ما لا يملكه، ولا يرضى أبدًا عما يملكه فعلًا، أيرغب في ما يملكه الآخرون أم ما تقنعه الإشهارات أنه ضروري؟ إنه إنسان يشعر أنه محارب من كل جهة، وبينما اعتاد أجداده محاربة الجيوش والمماليك، هو لا يقوى على محاربة أسوأ عاداته.
إنني لا أحاول رسم صورة سلبية عن إنسان هذا العصر، فأنا نفسي أنتمي إلى العصر نفسه، ولدت فيه وأعيش فيه تجارب مماثلة، بالإضافة إلى أنني لا ألوم هذا الإنسان أبدًا، فهو مولود في زمن ينادي بتكافؤ الفرص وإمكانية تحقيق الثراء كل يوم، وتسلق طبقته الحالية إلى طبقة اجتماعية أرقى، وكان مفتاح ذلك التعليم والحصول على شهادة جامعية، لكن يسود فتور في التعليم العالي اليوم بسبب نفقات الدراسة المرتفعة، وتنامي البطالة، وتفضيل مديري الشركات للخبرة على الدبلوم.
هل هي أزمة معنى؟
يقول المحامي والمؤرخ الفرنسي (ألكسيس دو توكفيل) في كتابه الديموقراطية في أمريكا: «عندما تلغى الامتيازات الناجمة عن المولد والثروة جميعها، وعندما تكون كل مهنة متاحة أمام كل شخص، فإن أي رجل طموح قد يعتقد أنه من السهل أن ينطلق في مسيرة مهنية عظيمة، وأنه مدعو إلى شيء آخر غير المصير المشترك للناس عامة، لكن هذا ليس سوى وهم سرعان ما تنقضه التجربة».
يمكن القول إن الأزمة الحقيقية التي يعيشها كثير من البشر، على الرغْم من اختلاف أديانهم وأعراقهم وثقافاتهم هي أزمة البحث عن المعنى، معنى للحياة ولأنفسهم، وما الذكاء الاصطناعي إلا وجه من أوجه هذا البحث الأزلي عن المعنى، حتى إنه يبدو لوهلة أن الإنسان يولد ليعيش حياته كلها وهو يحاول فك هذا اللغز، لغز الوجود.
فعندما تكون طفلًا يخبرك والداك بضرورة الدراسة والاجتهاد، وحينما تكبر قليلًا، يخبرك المجتمع بضرورة الحصول على شهادة ثم عمل بعد ذلك، ثم يحين وقت يخبرك فيه الجميع بمن فيهم والداك ومجتمعك بضرورة الزواج والإنجاب من أجل الاستقرار، ويقول الكاتب الفرنسي آلان دو بوتون في كتابه الفريد (قلق السعي إلى المكانة): «تبدو الحياة كأنها عملية متواصلة من استبدال قلق بٱخر ورغبة تحل محل أخرى».
لكن الحقيقة يدركها بعضنا في وقت متأخر جدًّا، فحينما يبلغ الإنسان عمر الستين أو السبعين يكتشف أن كل الماديات التي سعى إلى امتلاكها طول حياته، لم تشتر سعادته كما كان يتمنى، فيكتشف في النهاية أن السعادة الحقيقية هي العيش في توازن بين ما هو مادي وما هو روحي، بلا إفراط ولا تفريط، إنسان القرن الواحد والعشرين ليس مطالبًا بالتخلي عن السعي إلى شراء بيت أو سيارة جميلة، لكنه مطالب بأن يعرف أن السعادة الأبدية ليست مضمونة، ولن تساعده بالتأكيد في العثور على معنى الحياة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.