في عتمة الصالة الكبيرة حين تخفت الأضواء ويُغلق الباب الأخير ويبدأ العرض وتبدأ الحكاية، ليست تلك الحكاية على الشاشة فحسب، بل الحكاية الخفية التي تدور في العقول والضمائر والمواقف، ذلك الصراع القديم الذي لا يشيخ أبدًا بين الرغبة في الحكاية والرهبة من الخطيئة، بين اللقطة الجريئة والضمير المحافظ، بين السينما بصفتها فنًا شاملًا مفتوحًا وبين السينما «النظيفة» كما يحب أن يسميها بعضنا.
ما السينما النظيفة؟
«السينما النظيفة» تعبير تتناقله الألسن في المجتمعات المحافظة، وكأنه الحلم المنشود: الحكاية التي تُروى بلا قبلة، البطلة التي تُحب بلا عناق، الزوجة التي تخون بلا مشهد، الكراهية بلا دم، والرغبة بلا جسد، لكنها في جوهرها عبارة ملغومة، مشحونة بالوهم، ومثقلة بتناقضات لا تنجو منها حتى أكثر الأفلام احتشامًا، فهل «النظافة» هنا أخلاقية؟ أم بصرية؟ أم هي رقابة ذاتية تُمارس من صُنَّاع الأفلام أم من الجمهور؟ ومن الذي يقرر أساسًا معيار الطهر أو الرجس؟

المفارقة هنا أن أكثر الأفلام التي توصف بالنظيفة هي أحيانًا أكثرها إيحاء! فهي تمارس تلميحًا مواربًا يُحرِّك الخيال وتغلف الحرام بغلالة شفافة من الأدب الزائف، قد يُحذف المشهد لكن المعنى يبقى، وقد تُقصى القبلة لكن الرغبة تفيض من الأعين والكلمات والموسيقى. فالسينما ليست قائمة طعام يمكن أن تطلب «دون ملح»، إنها فن مركب ينبض بالإنسان، بكل ما فيه من ظلمة ونور.
فحين قرر الإيطالي «دي سيكا» أن يصوِّر بؤس ما بعد الحرب، لم يسأل نفسه إن كانت الكاميرا ستؤذي مشاعر أحد. وحين حمل «ستانلي كوبريك» كاميرته إلى أعماق النفس البشرية في «A Clockwork Orange» لم يكن يخشى أن يُتَّهم بالإفساد؛ لأن السينما الواقعية ليست مذنبة إن نقلت قبح العالم، بل تصبح كاذبة إن زينته باسم الأخلاق. فالفن لا ينقي العالم بل يفضحه، ولا يربي الناس بل يهزّهم.
ومع ذلك.. لا يعني ذلك أن تكون السينما فوضى بصرية أو دعوة مفتوحة للمجون. فبين الابتذال والتطهير خيط رفيع للغاية، الفنان الحقيقي لا يراهن على الجسد، بل على الفكرة، ولا يُعري الممثل بل يُعري المجتمع كله. فـ«النظافة»، إن وُجدت، لا تكون في الرقابة ولا في القص ولا في المحاذير، بل في المقصد، في القيمة التي تخرج بها بعد أن ينتهي العرض، في سؤال يقلقك أو صرخة توقظ شيئًا نائمًا بداخلك.
ففي النهاية.. يبقى السؤال معلقًا في ضمير المتلقي، فالجمهور ليس كتلة واحدة، ولا يتلقى الصورة ببرود حيادي. ما يعده بعضما فنًا راقيًا، يراه آخرون سقوطًا وابتذالًا. وقد تتغير النظرة للفيلم ذاته من زمن لزمن، ومن ثقافة لأخرى، فالسينما ليست نظيفة أو قذرة بحد ذاتها، بل تنعكس فيها أهواء المشاهد وخلفياته وقيمه.
«السينما النظيفة» ليست نوعًا من الأفلام، بل موقفًا شخصيًّا من الفن، هي قناع يرتديه البعض ليستر هشاشته أمام الحياة، وخوفه من السؤال.. أما السينما الحقيقية، فهي التي تضعك وجهًا لوجه مع نفسك، بلا ستائر، بلا رتوش، حتى لو أوجعتك.. ولكن!!
ختامًا.. ومن وجهة نظري الشخصية التي تتفق مع البعض وتختلف مع بعض آخر.. السينما غير مطالبة بأن تتعفف عن عرض الواقع، ولكنها مطالبة بأن ترتقي بطريقة عرضه، فالفن الحق لا يكذب، لكنه أيضًا لا يصرخ بالفجور، إن كانت الحياة مملوءة بالندوب، فإن على السينما أن تضيء هذه الندوب، لا أن تعبث بها، أن تضعنا أمام الحقيقة دون أن تهتك ستر الحياء، وأن تثير الفكر دون أن تجرحه.
السينما الراقية ليست تلك التي تتطهر من الواقع، بل تلك التي ترويه بصدق مهذب، وبأسلوب يوقظ الوعي لا الغرائز، فنحن لا نحتاج سينما «نظيفة» بقدر ما نحتاج «سينما واعية ونبيهة» تنبش القضايا لا الأجساد، وتخاطب العقل لا الغريزة، وتوقظ الإنسان فينا دون أن تطفئ الحياء.
فما رأيك أنت عزيزي القارئ بهذا المصطلح «السينما النظيفة»؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.