في ذمّة الله ما ألقى وما أجد (وقفة عند ناصية قصيدة)

حين تقف الكلمات مكتوفة الأيدي، يشلّها الحزن، ويرهبها الفقد، وتتلاشى كلّ الصور سواهم، يضرب الخيال أطنابه في ذاكرة معطوبة لا تسعفك إلا لتستدعي كلّ مآسي الكون ودموعه وأحزانه، مع كلّ هذا لا تجد دواء لحزنك سوى حزنك البالي، تتّخذ منأى عن العيون، تسافر في رحاب الشعر والكلمات، هذه حالي كلّما استنزفني الألم، كانت كلمات الجواهري في رثائه أمّ فرات، زوجه وأمّ أولاده تواسي بعضاً من جروحي النّازفة.

قراءة في قصيدة

قصيدة على البحر البسيط، ذات رويّ الدّال المضمومة، توشّحَ مطلعها بتصريعٍ يهزّ القلوب، وهو يحمل الحزن الذي ترجمه حرف الدّال الّذي قام عليه رويّ شطري البيت الأوّل، واستفهامٍ يتعجّب به من حاله التي وصل إليها، كيف ستتّحمل كلّ هذا الألم والفقد، واستسلامٍ لقضاء قد وقع، لا مردّ له ولا دافع، وقد عجزت ألباب الفلاسفة في فهم كنه الموت وتفسيره.

في ذِمَّةِ اللهِ ما ألقَى وما أجِدُ        ******    أهذِهِ صَخرةٌ أمْ هذِه كبِدُ

قدْ يقتُلُ الحُزنُ مَنْ أحبابهُ بَعُدوا    ******    عنه فكيفَ بمنْ أحبابُهُ فُقِدوا

تَجري على رِسْلِها الدُنيا ويتبَعُها   ******    رأيٌ بتعليلِ مَجراها ومُعتقَد

أعيا الفلاسفةَ الأحرارَ جهلُهمُ       ******    ماذا يخبّي لهمْ في دَفَّتيهِ غد

طالَ التَمحّلُ واعتاصتْ حُلولُهم    ******    ولا تزالُ على ما كانتِ العُقَد

وكحال كلّ فاقدٍ، تدثّره ظلال محبوبه وسماته، ووصفه وطيفه، فلا يهدأ له بالٌ وكأس الذكرى تطوف به، كيف لا وهي أمّ بنيه؟ يلقي عليها التّحية، وينتظر ردّها بفارغ الصّبر، صبرٍ خلع ثوبه على ناصية ادّعائه بالتجلّد والتّحمّل، وبكى به أمّ فراتٍ بكاءً شاركه به الكلّ حتى من لم يعرفْه، وذاك الطائر الشجيّ على رفيقه.

حُييَّتِ "أُمَّ فُراتٍ" إنَّ والدة           ******     بمثلِ ما أنجبَتْ تُكنى بما تَلِد

تحيَّةً لم أجِدْ من بثِّ لاعِجِها        ******     بُدّاً، وإنْ قامَ سدّاً بيننا اللَحد

بالرُوح رُدِّي عليها إنّها صِلةٌ       ******     بينَ المحِبّينَ ماذا ينفعُ الجَسد؟

عزَّتْ دموعيَ لو لمْ تَبعثي شَجَناً   ******     رَجعت مِنه لحرِّ الدمع أبترِد

خَلعتُ ثوبَ اصطِبارٍ كانَ يَستُرنُي ******     وبانَ كِذبُ ادِعائي أنَّني جَلِد

بكَيتُ حتَّى بكى من ليسَ يعرِفُني   ******  ونُحتُ حتَّى حكاني طائرٌ غَرِد

وهناك على لحدها جلس ينتظر أن يرمي بهمومه على صدرها، يلفّه شعرها المجعّد، تمدّ إليه يدها في لحظةٍ يَظهر فيها المُحبّ متّحداً مع محبوبه رغم تباعد الأجساد، في صورة عليّةٍ للحبّ، هي من أسمى صوره وأطهرها وأصدقها، إلّا أنّ أحدهما عاجله القدرُ، والآخر ينتظر، حينها لم يستطع إلّا أن يستبردَ بحقيقة لا مفرّ منها "إنّا لله وإنّا إليه راجعون".

إنّا إلى اللهِ! قولٌ يَستريحُ بهِ        ******    ويَستوي فيهِ مَن دانوا ومَن جَحدوا

مُدَّي إليَّ يَداً تُمْدَدْ إليكِ يدُ         ******   لا بُدَّ في العيشِ أو في الموتِ نتَّحِد

كُنَّا كشِقَّينِ وافى واحداً قدَرٌ       ******    وأمرُ ثانيهما مِن أمرِهِ صَدَد

ناجيتُ قَبرَكِ استوحي غياهِبَهُ    ******    عن ْحالِ ضيفٍ عليهُ مُعجَلا يَفِدُ

وردَّدَتْ قفرةٌ في القلبِ قاحِلةٌ     ******    صَدى الذي يَبتغي وِرْداً فلا يجِد

ولَفَّني شَبَحٌ ما كانَ أشبَههُ         ******    بجَعْدِ شَعركِ حولَ الوجهِ يَنعْقد

ألقيتُ رأسيَ في طيَّاتِه فَزِعاً      ******    نظير صُنْعِيَ إذ آسى وأُفتئدُ

أيّامَ إنْ ضاقَ صَدري أستريحُ إلى  *****  صَدرٍ هو الدّهرُ ما وفى وما يَعِد

لا زال يظلّل لحد محبوبته بالدّعاء، والذكريات تلفّه، ولا تمنعه عنها مع أنه يقف سدّا بينه وبينها، عساه يحظى منها بلحظة ونظرة تكون له عوناً وسنداً في بعدها.

لا يُوحشِ اللهُ رَبعاً تَنزِلينَ بهِ         *****     أظُنُّ قبرَكِ رَوضاً نورُه يَقِد

أينَ المَفَرُّ وما فيها يُطاردُني         *****  والذِكرياتُ، طرّياً عُودُها، جُدُد

مُنىً - وأتعِسْ بها- أنْ لا يكونَ على *****  توديعها وهيَ في تابُوتها رَصَد

لعلَّني قارئٌ في حُرِّ صَفْحَتِها         *****    أيَّ العواطِفِ والأهواءِ تَحْتَشِد؟

وسامِعٌ لفظةً مِنها تُقَرِّظُني            *****     أمْ أنَّها - ومعاذَ اللهِ - تَنْتَقِد

ولاقِطٌ نظرةً عَجلى يكونُ بها         *****  لي في الحياةِ وما ألقى بِها سَند

تتضافر تلك المعاني الصادقة والألفاظ الجزلة المنيعة في أنموذج شعريّ يستحقّ التحليل والوقوف، فالجواهري فوق عاطفته الصادقة أديبٌ لامعٌ لم تعجزه الكلمات عن ترجمه شعوره ومقاله، فأنبت لنا من مضائق الرّوح هذه القصيدة العصماء.

هذا رابط مطلع القصيدة بصوت الجواهري.

https://www.youtube.com/watch?v=TAxc_qq5r90

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب