وحيد حامد.. سيناريو الغياب الذي لم يكتبه

حين نعود إلى العصر الذهبي للدراما المصرية، لا يمكننا أن نغض الطرف عن قامة بحجم وحيد حامد، الذي لم يكن مجرد كاتب سيناريو، بل كان ضميرًا وطنيًا يكتب بالمداد الساخن من الواقع. برفقة العمدة أسامة أنور عكاشة، صنعا معًا ثنائية الوعي والمتعة، السياسة والعاطفة، القضايا الكبرى والتفاصيل الإنسانية الصغيرة.

وحيد حامد كتب للمواطن المصري الحقيقي، العادي والمقهور، المتمرد والحالم. وتناول ملفات شائكة، من الإرهاب إلى الفساد، من القهر الأمني إلى التهميش الاجتماعي، دون أن يفقد روح الدعابة أو حسَّ السخرية. من أعماله التي لا تُنسى: الدم والنار، العائلة، أوان الورد، الجماعة، دون ذكر أسماء، طيور الظلام، والإرهاب والكباب.

أما أسامة أنور عكاشة، فكان يكتب كمن يُنقِّب في وجدان شعب بِرُمَّته. أعماله مثل ليالي الحلمية، الراية البيضا، أرابيسك، زيزينيا، والشهد والدموع، لم تكن فقط دراما، بل وثائق اجتماعية ونفسية عن مصر والمصريين.

حلم اللقاء الذي كاد أن يُجهَض بسبب كول تون

كانت لي معه ذكرى شخصية لا تُنسى، تحمل في طياتها مزيجًا من الإحباط والأمل. فحين قررت أن أُجري حديثًا صحفيًا معه، اتصلت من هاتفي ولم يُجب. لكنه أعاد الاتصال لاحقًا، وما إن سمع الكول تون -وكان دعاءً لأحد الشيوخ لا أعلم من أين جاء أو من وضعه على الهاتف- حتى تغيَّر صوته، ورفض الحديث معي بشدة، معتبرًا أنني من مريدي هذا الشيخ الذي لا يطيقه. حاولت أن أشرح له أن الأمر صدفة بحتة، لكنه أغلق الباب تمامًا.

مرَّت سنة كاملة، وقُلت لنفسي: ربما نسي، خاصة وأنه محاط بعدد كبير من الصحفيين. علمت بسفره إلى ألمانيا للعلاج، وانتظرت عودته. وعندما عاد، استجمعت شجاعتي، وذهبت إليه من جديد، وتنفست الصعداء حين لم يتذكَّرني!

قابلني في فندق الفورسيزون نايل بلازا، في ركنه الدائم الذي كاد أن يُسمَّى باسمه من كثرة ما جلس فيه. هذه المرة كان أكثر هدوءًا، أكثر انفتاحًا. اتفقنا على موعد لإجراء الحوار، وكنت أحمل بين يديَّ أوراقًا ممتلئة بملاحظات عن أعماله التي ذاكرتها جيدًا.

لكن خاب أملي عندما أجبرتني الصحيفة على طرح أسئلة تقليدية وسطحيَّة، بعيدة عن عمق تجربته. شعرت وقتها أنني أضعت فرصة ذهبية للغوص في عقل هذا الرجل الاستثنائي. فالصحفي الحقيقي لا يطرح الأسئلة فقط، بل يفتح بوَّابة البوح لدى من يحاوره.

المشهد الدرامي في رمضان: أصوات جديدة تطرق الأبواب

في موسم درامي مشحون بالقضايا الاجتماعية والإنسانية، برز عدد من الكتَّاب الشباب الذين حفروا أسماءهم بعيدًا عن صخب الورش، وتركوا بصمة واضحة في دراما رمضان.

غادة عبد العال، الكاتبة التي اعتدنا منها على لغة ساخرة ممتزجة بالحقيقة المؤلمة، قدَّمت هذا العام مسلسل (80 باكو) الذي جسَّد معاناة الطبقة العاملة الكادحة من خلال شخصية «بوسي الكوافيرة». فتاة تحمل طموحًا بسيطًا في أن تصبح من سيدات الأعمال، وتحاول أن تجمع المال وسط ظروف اجتماعية صعبة، لتخطَّ طريقها في عالم يفتقر للرحمة والفرص.

الكاتبة غادة عبد العال

أما مسلسل (لام شمسية) فكان صرخة في وجه الصمت، كتبته ببراعة الكاتبة مريم نعوم، التي تجرَّأت على طرح قضية مسكوت عنها: التحرش البدني بالأطفال. تناولت الموضوع بحساسية وإنسانية، بعيدًا عن الابتذال، وألقت الضوء على الألم النفسي والجسدي الذي يعيشه الطفل المجني عليه. وغاصت في أعماق الأسرة المصرية، وقدَّمت رسائل توعوية غير مباشرة للأهل، مطالبة بتشريع قانوني صارم لمحاسبة الجناة مهما كانت مكانتهم الاجتماعية.

وجاء مسلسل (ولاد الشمس) بقلم الكاتب مهاب طارق، كوثيقة درامية مؤلمة عن معاناة أبناء دور الرعاية من الأيتام. كشف العمل استغلال بعض رؤساء دور الأيتام في أعمال إجرامية، مثل السرقة والاتجار بالمخدرات، مسلطًا الضوء على التمييز المجتمعي وحرمان هؤلاء الأطفال من فرص الحياة الكريمة، والتأكيد على حقهم في أن يكونوا مواطنين كاملي الأهلية والحقوق.

هذه الأعمال أعادت للدراما المصرية بريقها، وأثبتت أن القلم الصادق قادر على تحريك المياه الراكدة، وأن الكتابة ليست فقط للتسلية، بل أداة للتغيير وناقوس خطر يدق حين يصمت الجميع.

وإذا كان هناك جيلٌ جديدٌ من الكُتَّاب اليوم قد قرر أن يكتب بجرأة، ويغوص في أعماق المجتمع، ويكسر الصمت حول القضايا المسكوت عنها، فإن الفضل في ذلك يعود إلى من مهَّد لهم الطريق، وفتح أمامهم أبواب الواقع ليكتبوه كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.

ذلك الفارس الذي شقَّ للدراما المصرية طريقًا وعرًا نحو الحقيقة، ورفع سقف الجرأة والمسؤولية في الكتابة... وحيد حامد.

الكاتب وحيد حامد

وحين ننظر اليوم إلى المشهد الدرامي، نجد أن بصمته ما زالت حاضرة، لا تُمحى. فكل قلم يكتب بصدق، وكل مشهد يُعرِّي واقعًا موجعًا، وكل حوار يُحرك ساكنًا في الوعي الجمعي، هو في جوهره سليل تلك المدرسة التي أسَّسها وحيد حامد.

 

رحل الكاتب، لكن بقي المبدأ. غاب الجسد، لكن بقي الصوت. وبقي السؤال الأهم: هل من يخلفه قادر على حمل الشعلة بالإخلاص والصلابة أنفسهما؟ أم ستبقى كلماته شاهدة على زمنٍ كتب فيه الحقيقة كما هي، بلا خوف، وبلا تزييف؟

رحم الله وحيد حامد... سيناريو الغياب الذي لم يكتبه، لكنه ترك لنا سيناريو الحياة كما رآها هو، حادة، صادمة، وعميقة.

«الدراما مش بس تسلية... هي مرآة للمجتمع، وأحيانًا صفعة على وجهه». من فيلم طيور الظلام على لسان فتحي نوفل (عادل إمام).

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة