في يوم ما من شهر ما من عام ما من قرن ما
سيجيئ الفارس فوق براق
من أين يجيء؟ من الأعماق
أعماق الشعب الفارس
من أبناء الشعب فلاح في عينيه صفاء النيل وإباء الأرض
الفارس جيل عملاق يتحدى أخطار الدرب
الفارس شعب سيهب
في يوم ما من شهر ما من عام ما من قرن ما
هذه الكلمات الرائعة التي كتبها الشاعر المصري نجيب سرور في ديوانه الأخير فارس آخر الزمان التي تمتزج بالمتعة الفنية ومرارة الواقع والأمل الكبير والثقة الهائلة في الشعب، تُجسد شخصية ذلك المبدع الذي اختلط لديه العقل بالجنون، والموهبة بالغضب، والفروسية بالقلق، لتصنع في الأخير نموذجًا استثنائيًّا لمبدع لا يشبه غيره ولا يسعى لذلك.
إنه نجيب سرور الذي نتجول معًا في تجربته الإبداعية والشخصية؛ لنتعرف على كثير من المعلومات والأسرار المدهشة عن أهم المحطات التي مر بها منذ ولادته حتى موته في مستشفى الأمراض العقلية في السطور التالية.
اقرأ أيضًا: في ذكرى رحيله.. الشاعر خالد نصرة صوت فلسطين ووجع الأمة العربية
المولد والنشأة
ولد محمد نجيب محمد هجرس الذي عرف بعد ذلك باسم نجيب سرور في إحدى قرى محافظة الدقهلية، وذلك يوم 1 يونيو 1932، في أسرة فقيرة ومحيط اجتماعي بائس؛ نظرًا لطبيعته الريفية، إضافة إلى المرحلة التاريخية التي كانت تمر بها مصر في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو ما جعل نجيب سرور يعيش حياة صعبة، ويدرك من البداية أن قضيته الأساسية هي التعبير عن هؤلاء الفلاحين والفقراء والسعي للمطالبة بحقوقهم التي تحتاج إلى تطبيق مبادئ الحرية والعدالة في وطن يسيطر عليه الإقطاع، ويمنح خيراته لطبقة معينة من الملاك والنبلاء.
تلقى نجيب سرور تعليمه في مدارس محافظة الدقهلية، ثم التحق بعد ذلك بكلية الحقوق، لكنه تركها قبل التخرج، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية الذي تخرج منه عام 1956 ليبدأ تجربته الإبداعية كاتبًا ومسرحيًّا وناقدًا وممثلًا.
اقرأ أيضًا: في ذكرى رحيله.. عمر أبو ريشة شاعر حلق بالشعر فوق صخور الأيدولوجيا
حياة نجيب سرور
بعد تخرج نجيب سرور من المعهد العالي للفنون المسرحية حصل على منحة حكومية لدراسة المسرح في روسيا، وهو ما أسعده كثيرًا، إذ كان منفتحًا على التعلم والتعرف على الثقافات والخبرات الجديدة، إضافة إلى أن المناخ في روسيا كان ملائمًا لأفكاره اليسارية ونزعته الثورية، وفعلًا تعرف على كثير من الطلاب المصريين والعرب هناك في موسكو الذين يشاركونه الأفكار نفسها.
عاش نجيب سرور تلك المرحلة محل شك من كثير من الطلاب الذين يظنون أنه يعمل جاسوسًا للنظام المصري، إضافة إلى هواجسه الخاصة من أن يكون مراقبًا من عملاء الأمن، ولذلك تأثر نجيب سرور على المستوى النفسي تأثيرًا كبيرًا، فبين الخوف والقلق من المراقبة، وبين محاولة إظهار أفكاره والدفاع عنها مرَّ بعدد من المواقف التي تركت رواسب عدة في تركيبته النفسية، حتى إنه اضطر في إحدى الحفلات أن يعبر عن آرائه ويهاجم سياسات جمال عبد الناصر، وهو ما أدى إلى فصله من البعثة الطلابية بعد ذلك، وتطور الأمر بتجريده من الجنسية المصرية، فلم يستطع أن يسجل زواجه بامرأة روسية، ولا أن يسجل ابنه بعد ذلك.
عاش نجيب سرور مرحلة من أصعب مراحل حياته متنقلًا من بلد إلى آخر، حيث استمر لبعض الوقت في موسكو قبل السفر إلى المغرب، ومنها إلى المجر ، ومع أنه كان يمارس الكتابة والإبداع وينشر القصائد والمقالات والدراسات النقدية في الصحف هنا وهناك، لكنه لم يندمج مع هذا الوضع، وزاد اشتياقه إلى مصر على الرغم من صعوبة الأجواء والنظام البوليسي الذي يحكم البلاد، وهو ما جعل نجيب سرور يسعى إلى العودة إلى مصر مرة أخرى، وفعلًا استطاع بواسطة بعض المعارف أن يسترضي النظام المصري الذي سمح له بالعودة عام 1964.
شهدت تلك المدة سطوة المخابرات المصرية تحت قيادة صلاح نصر، فكانت الزنازين والتعذيب والمراقبة نصيب كل ذا فكر مخالف للنظام، ولذلك لم يفلت نجيب سرور من هذه الأمور، فقضى شهورًا عدة في الزنازين بعد عودته إلى مصر وحيدًا دون زوجته أو ابنه، وخرج ليعمل أستاذًا في المعهد العالي للفنون المسرحية، وهي المدة التي شهدت كثيرًا من أعماله الشهيرة التي شهدت أيضًا القبض على نجيب سرور عدة مرات، وإيداعه السجن ومستشفى الأمراض العقلية أكثر من مرة.
في عام 1971 فُصِل نجيب سرور من عمله في المعهد العالي للفنون المسرحية وحُصِر في عمله الخاص، ومُنِع من المشاركة في أي عمل أدبي أو مسرحي، إضافة إلى منعه من النشر، كما اتهمت السلطات المصرية نجيب سرور بالجنون؛ وكل ذلك بسبب مسرحية (الذباب الأزرق) التي كانت تتناول مجازر الملك حسين ضد الفلسطينيين، وهو ما دفع المخابرات الأردنية إلى التدخل لدى الحكومة المصرية، وهو ما دفع نجيب سرور إلى مزيد من الكتابة الغاضبة التي لا يمكن مقارنتها بأي كتابة أخرى على مستوى الغضب والمفردات الصعبة التي استخدمها للتعبير عن غضبه وموقفه.
ولعلَّ كل من تعامل مع نجيب سرور عن قرب يؤكد على كونه شخصية استثنائية تملك كثيرًا من الموهبة والغضب والرغبة في الإصلاح وتغيير الأوضاع، إضافة إلى عدم قدرته على التحكم الكامل في هذه التركيبة، فكان الروائي إبراهيم عبد المجيد أحد أصدقاء نجيب سرور يتحدث عنه قائلًا: (كان نجيب سرور يمضي نصف يومه بين زجاجات البيرة ولا يعود إلى بيته واعيًا أبدًا، ثم يكتب كل هذه الأعمال الرائعة فكان أعجوبة ومعجزة).
بينما يؤكد إبراهيم عبد المجيد أن الأزمة النفسية التي عانى منها نجيب سرور بدأت في روسيا؛ بسبب الهواجس التي سيطرت عليه، وخوفه من المراقبة، والتقارير الأمنية الذي جعله يعيش الهواجس نفسها بعد ذلك في كل مكان يذهب إليه، إذ شعر بوجود الأعداء والمراقبين والمتربصين، وهو ما يقودنا إلى مرحلة ما بعد نكسة عام 1967، فقد عادت الهواجس النفسية تضرب نجيب سرور من جديد، حتى أصيب بانتكاسة كبيرة أدخلته في الأخير إلى مستشفى الأمراض العقلية.
وهنا يجب أن نوضح أن هناك آراء عدة في مسألة المرض النفسي لنجيب سرور، فبعض أصدقائه وأقربائه يؤكدون أنه وصل في نهاية حياته إلى مرحلة سيئة، كان يمشي فيها هائمًا وينام في الشارع مرتديًا ملابس ممزقة حافي القدمين.
بينما يقول آخرون أنه لم يفعل ذلك أبدًا، وإنما عانى بعض الاضطرابات النفسية على مراحل، وأنه تعافى منها قبل انتكاسته الأخيرة.
بينما يؤكد بعض الأشخاص على أنه ادعى الجنون كنوع من الاحتجاج على الظروف التي أحاطت به.
اقرأ أيضًا: الأديب الشاعر مالك حداد.. طائر الحرية وسجين اللغة.
أدب نجيب سرور
يُعدُّ نجيب سرور من المبدعين الاستثنائيين الذين برعوا في عدد من المجالات في وقت واحد وبنفس الجودة، فقد كتب الشعر والمسرحية، ومارس النقد، ومثَّل، وأخرج، وكتب المقالات، وترك إرثًا هائلًا من الأعمال المتنوعة، فكانت المرحلة التي تلت عودته إلى مصر بعد عام 1964 حتى وفاته مرحلة خصبة وغزيرة الإنتاج، على الرغم من معاناته النفسية ومشكلاته مع النظام.
كان الحديث عن الظلم والفساد الاجتماعي هو محور أعمال نجيب سرور الأساسي، فكان دائمًا يضع الفلاح والظلم الذي يعانيه أمام المال والسلطة والفساد، مستخدمًا عددًا من الأدوات سواء في القصيدة أو المسرحية، وصنع عددًا من الملاحم الشعرية، مثل (منين أجيب ناس) و(ياسين وبهية) و(قولوا لعين الشمس)، والعديد من المسرحيات التي كان لها تأثير كبير على المستوى الأدبي والاجتماعي، مثل مسرحية (شجرة الزيتون) ومسرحية (الكلمات المتقاطعة) ومسرحية (آلو يا مصر).
وكتب نجيب سرور مجموعة من الدواوين التي كانت كنزًا للباحثين والدارسين والنُقاد على مستوى الوطن العربي التي يمكن اعتبارها مشروعًا موازيًّا للأعمال المسرحية، مثل ديوان (التراجيديا الإنسانية) وديوان (لزوم ما يلزم) وديوان (بروتوكولات حكماء ريش) وديوانه الأخير (فارس آخر الزمان).
كذلك كان نجيب سرور ناقدًا واعيًا، وكان له مشروعه النقدي الهائل وأطروحاته الجادة التي تجلت في دراسته (رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ) ودراسة (تحت عباءة أبي العلاء)، وكتاب (هموم في الأدب والفن)، وهو ما يوضح الصورة الكاملة عن وعي هذا المبدع الاستثنائي الذي كان قادرًا على الفعل الابداعي العميق، فكان يكتب الشعر والقصة والمسرحية، ويتناول الأعمال الإبداعية الأخرى بالنقد الجاد، ويكتب المقالات في الأدب والفن والسياسة، بالإضافة إلى كونه صاحب رأي ووجهة نظر، وقدرة هائلة على المواجهة، وتأثير كبير في المحيط الاجتماعي والأدب والسياسي.
وعلى مستوى التناول، فقد كانت السخرية هي المادة الأساسية التي يمزجها نجيب سرور مع المواضيع والأفكار والأشخاص والأحداث التي يفجر بواسطتها قمة الألم، ويُعبِّر بها عن منتهى الظلم والاستغلال، ويولد بواسطتها الكثير من المتعة لدى القارئ، وهو ما يظهر حتى في عناوين أعماله سواء كانت أشعارًا أو مسرحيات، حيث يمكنك أن تقف كثيرًا أمام عنوان مسرحية (الحكم قبل المداولة)، أو مسرحية (الذباب الأزرق)، أو قصيدته (المسيح و اللصوص) التي يتهم فيها شخصية المسيح لأنها تساهلت كثيرًا مع النصوص، وتسامحت معهم إلى حد منحهم الفرصة للمتاجرة بشعارات المسيح.
أعمال نجيب سرور
على الرغم من الإنتاج الكبير للشاعر والناقد والأديب المصري نجيب سرور، لكن عددًا من أعماله لم تُنشر، والكثير منها لم يكتمل، ولعل أشهر أعماله ما يلي:
مسرحية ياسين وبهية عام 1965
مسرحية يا بهية وخبريني عام 1967
مسرحية ألو يا مصر عام 1968
مسرحية ميرامار عام 1968
مسرحية الكلمات المتقاطعة عام 1969
مسرحية الحكم قبل المداولة عام 1970
مسرحية ملك الشحاتين عام 1970
مسرحية الذباب الأزرق عام 1971
مسرحية منين أجيب ناس عام 1974
مسرحية النجمة أم ديل عام 1974
مسرحية أفكار جنونية في دفتر هاملت عام 1975
مسرحيته قولوا لعين الشمس
ديوان التراجيديا الإنسانية عام 1967
ديوان لزوم ما يلزم عام 1964
ديوان عن الوطن والمنفى عام 1963
ديوان بروتوكولات حكماء ريش عام 1978
ديوان الطوفان الكبير
ديوان فارس آخر الزمن
رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ
تحت عباءة أبي العلاء
هكذا قال جحا
حوار في المسرح
هموم في الأدب والفن
مقتطفات من أشعار نجيب سرور
من قصيدة سر الكلمة
لا يعلو شيء فوق الكلمة كانت مذ كان الإنسان
كانت أول كانت أعظم ثورة
كانت تعلو منذ البدء على الأسوار
تسخر من كل الحراس
تخرج مثل شعاع الفجر وهم نوام
خرجت بطرس يوم أفاقوا حاروا أين الكلمة ؟
خرجت تأسو كل جراح الناس
أو كمحمد ليلة شاءوا قتله
ثم أفاقوا حاروا أين الكلمة ؟
خرجت تمشي بين الناس الدعوة وكسقراط
شرب السم ولكن عاشت منه الكلمة
من قصيدة إحباطات شاعر
الإحباط الأول
لأن العصر مثل النعش
لأني جثة في النعش
لأن الناس كل الناس دمي من قش
لأن لأن المعنى في بطن الشاعر
والشاعر عدو خواء البطن
جوعان في القرن ال20 والإنسان الجائع كلب
كم في الجيب ماذا كنت أقول
كنت أقول الشعر
أشعر أني ميت فإلي الفول بزيت
من قصيدة لزوم ما يلزم
قد آن ياكيخوت للقلب الجريح أن يستريح
فاحفر هنا قبرا و نم
وانقش على الصخر الأصم
يا نابشا قبري حنانك ها هنا قلب ينام
لا فرق من عام ينام وألف عام
هذه العظام حصاد أيامي فرفقا بالعظام
أنا لست احسب بين فرسان الزمان
إن عد فرسان الزمان
لكن قلبي كان دوما قلب فارس
كره المنافق والجبان مقدار ما عشق الحقيقة
وفاة نجيب سرور
كان نجيب سرور قد أودع في مصحة نفسية، أو كما تسمى مستشفى للأمراض العقلية في مدينة دمنهور في أيامه الأخيرة، فتوفي بها يوم 24 أكتوبر عام 1978 عن عمر ناهز 46 عامًا، تاركا خلفه إرثًا كبيرًا من الإبداع والثورة والجدل والأسرار.
وفي نهاية هذه الجولة السريعة في عالم نجيب سرور المبدع الاستثنائي، نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة، والإضافة والرغبة في قراءة أعمال نجيب سرور الشعرية والمسرحية والنقدية، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقالة على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.