في ذكرى رحيله.. طاغور شاعر الهند الكبير

قلَّما تُصادف في سير المبدعين والأدباء الكبار شخصية موسوعية وأقرب إلى أن تكون شخصية خيالية مثل طاغور الشاعر الهندي الذي حصل على جائزة نوبل الذي تعرف في أثناء قراءة سيرته أنه كان شاعرًا وكاتبًا مسرحيًّا وملحنًا ورسامًا وفيلسوفًا وروائيًّا ومفكرًا ومناضلًا سياسيًّا، وهي مجموعة من المسارات التي يصعب على شخص واحد تحقيق النجاح والفرادة فيها جميعًا في وقتٍ واحد، وهو ما يدعو إلى الغرابة في سيرة طاغور الذي تفوَّق في معظم هذه المجالات على نحو غير عادي حتى أصبح أسطورة حقيقية.

وفي هذا المقال نصحبك في جولة سريعة للتعرُّف على هذا المبدع الكبير، وأهم المحطات في حياته الشخصية والإبداعية في السطور التالية.

اقرأ أيضًا في ذكرى رحيله.. عمر أبو ريشة شاعر حلق بالشعر فوق صخور الأيدولوجيا

مولد طاغور والنشأة

ولد (روبندرونات طاغور) في مدينة كالكوتا الهندية يوم 7 مايو عام 1861، وكانت أسرته من الأسر الغنية قياسًا بحال المجتمع الهندي في ذلك الوقت، وكان أبوه يعمل مُصلحًا دينيًّا واجتماعيًّا، وكان له قدر كبير من الشهرة؛ نظرًا لكونه يُمارس السياسة والفكر، وكانت أمه قد أنجبت 12 بنتًا وولدًا قبل أن يُولد (روبندرونات طاغور)، فكان هو رقم 13.

وكان جده أحد رجالات المال الكبار؛ ما جعل عائلة طاغور من العائلات الكبيرة التي أسهمت في انتقال الثقافة الهندية إلى الحداثة والارتباط بالثقافة الغربية، وهو ما ظهر في حياة أشقاء طاغور الذين تفوقوا على مستوى التعليم والحياة العملية، ومنهم من مارس الأدب أو الثقافة أو الموسيقى، إلا أن روبندرونات طاغور كان هو الأكثر شهرة بينهم جميعًا.

من الغريب أن طاغور لم يحصل على شهادات تعليمية، فتعلَّم في البيت على أيدي مجموعة متميزة من المعلمين الذين تولوا تعليم أسرة طاغور، وكذلك لم يلتزم طاغور بالحضور في المدارس التي ذهب إليها على نحو متقطع، لكن الفتى الذي ينتمي إلى عائلة غنية استطاع الاتصال بالثقافة؛ سواء المحلية عن طريق دراسته للغة السنسكريتية أو الثقافة الغربية عن طريق دراسته للغات، وعلى رأسها الإنجليزية، وهو ما جعله يقرأ بشكل متوازٍ في الشعر البنغالي والإنجليزي.

عندما أتم طاغور 17 عامًا سافر إلى إنجلترا؛ ليدرس في كلية الحقوق في لندن، لكنه أيضًا لم يستطع الحصول على شهادة جامعية؛ نظرًا لأنه انقطع عن الدراسة مدة طويلة، ثم عاد مرة أخرى إلى مدينة كالكوتا الهندية؛ ليستكمل نشاطه وثقافته وتعليمه الذاتي، وهي المدة التي بدأ فيها طاغور كتابة الشعر، وكان على اتصال كبير بالتاريخ وعلوم الفلك والثقافة الغربية والعلوم الحديثة.

حياة طاغور

مع أنَّ طاغور عاش حياة مرفهة إلى حد ما، نظرًا لكون أسرته من الأسر الغنية، فإنه تأثر كثيرًا برحيل عدد كبير من أفراد أسرته في حياته؛ فكان موت أمه عام 1875 سببًا في أن يكتب أولى قصائده الشعرية، كما أن هذا الوضع المالي القوي للأسرة لم يدفع الفتى الصغير إلى حياة اللهو والمرح، إذ تزوج طاغور عام 1883 وهو في الـ22 من عمره، وأحب زوجته كثيرًا، وانتقل معها إلى منطقة البنغال الشرقية التي تُعرف حاليًا باسم بنجلاديش عام 1891، حيث كان يمارس إدارة أعمال عائلته في المنطقة التي عاش فيها أكثر من 10 سنوات.

في عام 1902 توفيت زوجة طاغور، وبعد عامين فقط توفيت ابنته، وبعدها بعام واحد توفي والده، ثم توفي ابنه الأكبر بعد ذلك بعامين، وهي سلسلة من الوفيات المتلاحقة التي كانت كفيلة بقتل الشاعر والمبدع الكبير على المستوى النفسي، وإفقاده الرغبة في الحياة والكتابة، لكن طاغور حمل هذه الجراح، وأسرع الخطى في الكتابة وكأنها طريقته في مقاومة الألم، وكانت أشعاره وكتاباته المسرحية ومقالاته تصدح بالحزن العميق والألم الصادق الذي كان أحد الأسباب في شهرة طاغور كونه مبدعًا عالميًّا يتخطى نطاق المحلية.

عاش طاغور معظم أوقاته على نهر الغانج في مركب أشبه بالبيت الصغير، فكان يتعامل مع الفلاحين والفقراء بتواضع شديد؛ وهو ما ظهر في عدد من مجموعاته القصصية التي تحكي عن أحوالهم وتتناول تفاصيل حياتهم، إضافة إلى الدواوين الشعرية التي خرجت من هذه التجربة الحياتية مثل ديوان (القارب الذهبي ) والمسرحيات مثل (تشيترا).

من أهم محطات حياة طاغور هي تأسيسه لمدرسة أو جامعة صغيرة عام  ١٩٠١ التي تحوَّلت بعد ذلك إلى ما يُعرَف بالجامعة الهندية للتعليم العالي عام 1918، وكان طاغور يهدف إلى تدريس الثقافات الغربية بجانب الثقافات الشرقية المرتبطة بتاريخ الهند في مكان واحد؛ حتى يتخرج الطلاب وهم على وعي تام بالثقافات القديمة والحديثة، ويكون لديهم قدرة على التعامل مع مستجدات العصر، وكان اهتمامه بالمدرسة يتزايد عامًا بعد عام، حتى إنه وهب المدرسة كل ما حصل عليه من جائزة نوبل عام 1913؛ من أجل تطويرها وجعلها نموذجًا في المناهج العلمية والفلسفية.

لم يكن طاغور معروفًا خارج الهند حتى عام 1912 عندما سافر إلى إنجلترا برفقة أحد أبنائه، وكان يترجم أحد دواوينه إلى اللغة الإنجليزية في أثناء الرحلة، فكان يسافر عن طريق البحر، وكان يرغب في أن يقطع الوقت والملل في هذه الترجمة، فإن هذا الأمر كان سببًا في شهرة طاغور العالمية، وربما في حصوله على جائزة نوبل، فالتقى طاغور بأحد أصدقائه في إنجلترا الذي أعجب كثيرًا بأشعار طاغور المترجمة، وعرضها على الشاعر الإنجليزي الكبير (دبليو بي ييتس) الذي نقَّح النسخة المترجمة، ونُشِرَت في إنجلترا في العام نفسه تحت عنوان (ديوان قربان الأغاني)؛ وهو ما حقق نجاحًا كبيرا في المجتمع الغربي، ودفعهم إلى منح طاغور جائزة نوبل في الآداب عام 1913.

انتشرت كتابات طاغور المترجمة في كافة أنحاء العالم الغربي، وأصبح اسمًا كبيرًا يسعى الناس إلى قراءة أعماله ومتابعة أخباره، فكان أول أديب أو كاتب يحصل على جائزة نوبل من خارج أوروبا، إضافة إلى حصوله على وسام الفارس من الملك جورج الخامس، لكنه أعلن خلعه لهذا الوسام في عام 1919؛ موقفًا معارضًا للمجزرة الرهيبة التي نفذتها القوات البريطانية في (أمريتسار) التي قتل على إثرها 400 متظاهر هندي.

كان طاغور مثالًا للمثقف والمبدع الثوري الذي يرفض التعصب سواء للطوائف أو الأديان، وهو ما ظهر في أعماله ورواياته، ولا سيما رواية (جورا) التي تناولت التعصب الهندوسي في الهند، وكان مُحبًّا للإنسانية يتعامل مع الناس بمنتهى التواضع مع أنَّه من أسرة غنية، وعُرِف عن طاغور أنه كان يختلف مع طريقة الزعيم الهندي غاندي في مقاومة الاحتلال التي كانت تعتمد على الزهد والمسالمة، وهو ما رفضه طاغور ورآه سلبية كبيرة وسطحية شديدة في التعامل مع الاحتلال.

اقرأ أيضًا الأديب الشاعر مالك حداد.. طائر الحرية وسجين اللغة

أدب طاغور

يحتاج الحديث عن أدب طاغور العديد والعديد من المقالات والدراسات والبحوث؛ فأنت بحضرة أحد أبرز الكتاب على الإطلاق الذي كانت تتصل كتاباته بحياة الناس، وكانت تحمل في الوقت نفسه نزعة فلسفية وحزنًا صادقًا وقدرة على مواكبة العصر برشاقة كبيرة، وهو ما يجعل كل القُراء والمبدعين والمثقفين في جميع أنحاء العالم يتعاملون مع أدب طاغور ببساطة ودون حواجز على مستوى الثقافة والأفكار.

كان طاغور يكتب في الشعر والنثر بإيجاز، ويحمل كثيرًا من الحكمة التي تترك آثارًا رائعة في النفوس، إضافة إلى اتجاهه في كثير من الأحيان إلى اللغة الصوفية في عددٍ من دواوينه، مثل ديوان (يراعات طاغور) وديوان (طيور شاردة).

كان طاغور أيضًا كاتبًا مسرحيًّا رائعًا، إضافة إلى كونه يكتب القصة القصيرة الممتعة التي تشعر أنها قصصًا حقيقية من واقع الريف البنغالي، لكنها تتجاوز حدود المكان والزمان إلى كونها قصصًا عالمية تصلح في أي مكان وزمان ما دام الإنسان حاضرًا.

أضف على ذلك أنه كان يكتب الأغاني ويلحِّنها، والمفاجأة الغريبة أنه كان رسامًا أيضًا، وهي الموهبة التي ظهرت له في أواخر عمره، حتى إنه أقام بعض المعارض لرسومه ولوحاته.

يُشير الكُتاب الغربيون إلى أهمية أدب طاغور كونه كان جسرًا بين الحضارة والثقافة الهندية من ناحية، والثقافة الغربية من ناحية أخرى، ومع أنَّ طاغور كان يستخدم العامية في كتابات قصائده وأغانيه التي رأى كثير من النقاد أنها صعبة الترجمة؛ فإنها تحوَّلت بعد ذلك إلى قصائد وأغاني عالمية متداولة في أوروبا، إضافة إلى تَعرُّف العالم الغربي على العادات والتقاليد الهندية عن طريق أعمال طاغور وكتاباته الغزيرة والمتنوعة.

أعمال طاغور

يُعدُّ طاغور من الكُتاب أصحاب الإنتاج الغزير الذي يصعب رصده كاملًا، وقد كتب أكثر من 300 كتاب وأكثر من ألف قصيدة، ورسم نحو 3000 لوحة فنية، وكتب طاغور أكثر من 2000 أغنية ولحَّنها أيضًا، وقد نالت نجاحًا كبيرًا في مختلف طبقات المجتمع الهندي، إضافة إلى تأليفه أكثر من 25 مسرحية، ونحو 8 مجلدات قصصية، ونحو 10 روايات، أضف على ذلك المقالات والمحاضرات في مجالات مختلفة، حتى إن النشيد الوطني لدولة الهند والنشيد الوطني لدولة بنغلادش اختير من ضمن أغاني طاغور، ومن أشهر أعماله التي نالت شهرة عالمية:

  • ديوان ماناسي  عام 1870 
  • مسرحية تشيترا عام 1892 
  • رواية جورا عام 1910 
  • ديوان قربان الأغاني عام 1910 

مقتطفات من أدب طاغور

هذه صلاتي إليك يا رباه

انزع هذا البخل من قلبي 

واجتثه من جذوره وامنحني 

القوة حتى أصبر على الأفراح والأتراح 

امنحني القوة حتى أجعل حبي مقرونا بالتفاني 

................................................

الغابات غيوم الأرض   ترفع إلى السماء صمتها

فتهبط السحب من عليائها  زخات مطر رنان

تساقط الزهرة كل بتلاتها   فتظهر بالثمرة 

أصداف اللؤلؤ التي قذفها البحر على شاطئ الموت العقيم

تبديد خلاق لحياة خلاقة  كي تنعم بالسلام  

دع المساء يغفر أخطاء النهار

..............................................

هذه أغنيتي   ستديرها موسيقاها حولك

طفلي كذراعي الحب الحنونين

أغنيتي ستلمس جبينك كقبلة من الرضا

عندما تكون وحيدا ستجلس بجانبك

وتهمس في أذنك   عندما تكون وسط الزحام   ستحيطك بالعزلة 

أغنيتي   ستكون كزوج من الأجنحة لأحلامك 

ستنقل قلبك لحافة المجهول ستكون كالنجم المخلص في السماء 

عندما يكون الليل المظلم على طريقك أغنيتي ستجلس في بؤبؤ عينيك 

وستحمل نظرك إلى جوهر الأشياء وحين يسكن صوت في الموت

أغنيتي ستتحدث في قلبك الحي 

..............................................................

عند الصباح كنت أستفيق على حديث أشرعة زورقك

كنت أبرح الأرض حتى أتبع الأمواج التي تشير إليك 

سألتك   هل نضح حصاد الحلم في الجزيرة التي تقع وراء السماء اللازوردية؟ 

وقع صمت ابتسامتك على سؤالي كما يقع صمت النور على الأمواج

مضى النهار مليئا بالعواصف وكانت الرياح الحائرة تغير اتجاهها في كل لحظة 

والبحر كان يتأوه سألتك 

هل توجد دورة حلمك في جهة ما؟

إلى ما وراء البقايا المتحضرة للنهار الذي ينطفئ كمحرقة مأتمية 

لم يصدر أي جواب عنك وحدهما عيناك كانتا تضحكان 

مثل هدب غيمة عند مغيب الشمس إنه الليل

طيفك يهوى في الدياجير شعرك حيث تلعب الريح يدغدغ وجنتي 

وعطره يجعل حزني يرتعش تتلمس يده طرف ثوبك ثم أسألك 

هل توجد حديقة موتك خلف النجوم حيث تفتح صمتك في أنغام؟ 

تتعلق ابتسامتك وسط سكون الليل الهادئ 

مثل النجمة في ضباب منتصف الليل 

اقرأ أيضًا العجوز الشاب وسيد القصة القصيرة.. الكاتب أنطون تشيخوف

وفاة طاغور

توفي الشاعر والقاص والروائي والفيلسوف والرسام الهندي الكبير روبندرونات طاغور يوم 7 أغسطس عام 1941 عن عمر ناهز 80 عامًا، وذلك بعد فشل عملية جراحية أجريت له في مسقط رأسه في كالكوتا الهندية، ليترك الرجل إرثًا كبيرًا وعظيمًا من الأدب والأفكار والأخلاق والقيم التي ما زالت حتى الآن، وتُشير إلى شخصية أسطورية كانت تعيش في هذا العالم.

وفي الأخير نرجو أن تكون رحلتنا السريعة في عالم طاغور قد قدَّمت لك المتعة والإضافة والحماس الكبير لقراءة أعمال هذا المبدع الاستثنائي.

ويُسعدنا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقالة على مواقع التواصل؛ لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة