يمشي ويضحك لا حزنًا ولا فرحًا كعاشق خط سطرًا في الهوى ومحا
من الصعب أن تمر عليك هذه الكلمات الرائعة ولا تملؤك بالمشاعر الجميلة، أو تدفعك للتساؤل عن هذا الشاعر الرائع الذي كتب هذه الكلمات، وقد تبحث عن باقي القصيدة لتستكمل رحلة المتعة.
إنه بشارة الخوري المُلقب بالأخطل الصغير، شاعر لبنان الجميل الذي كان له تأثير كبير على معظم شعراء الفصحى في القرن الـ20، وعُرِف أيضًا بشاعر الحب والهوى، وأحيانًا بشاعر الصبا والجمال، ولعلك استمعت إلى كثير من أشعاره التي غناها عدد من مطربي البلاد العربية طوال القرن الماضي.
وفي هذا المقال نصحبك في جولة مملوءة بالمتعة والمشاعر الجارفة بين أهم محطات حياة الشاعر اللبناني الكبير بشارة الخوري على مستوى الشعر والكتابة والإبداع، وكذلك على مستوى حياته الشخصية؛ لتتعرَّف على هذا الأديب الجميل صاحب التجربة الاستثنائية في تاريخ الكتابة العربية الحديثة.
اقرأ أيضًا أحمد شوقي ( 1870 – 1932 م ) أمير شعراء العصر الحديث
مولد بشارة الخوري والنشأة
ولد بشارة الخوري في قرية إهمج إحدى قرى محافظة جبل لبنان، وذلك في عام 1985، وتلقى تعليمه في المدارس المحلية، فالتحق بمدرسة الروم الأرثوذكس عام 1902، ثم انتقل إلى مدرسة الحكمة المارونية عام 1904، ومنها إلى مدرسة الإخوة المسيحية عام 1906 التي كانت معروفة بإجادة طلابها للغة الفرنسية.
درس الأخطل الصغير اللغة العربية بكفاءة كبيرة، إذ بدأ دراسته في الكتاب، ثم أكمل دراسته للعربية على يد متخصصين ولغويين في منتهى التمكن والبراعة، مثل ناصيف اليازجي وعبد الله البستاني؛ ما جعله يتقن العربية ويكتب بها ويتحدث بها أيضًا، حتى أصبح بعد ذلك أحد شعراء العربية الكبار.
وسرعان ما اندمج في الحياة العامة؛ نظرًا لما كانت تمر به البلاد من احتلال، فأنشأ بشارة الخوري صحيفة البرق وهو لم يتجاوز 23 عامًا التي ظلَّت تصدر منذ عام 1908 حتى منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، وكانت الصحيفة مركزًا للمقاومة ضد المحتل الفرنسي، إذ كانت ملتقى للمثقفين والكتاب والأدباء والثوار الذين يتحدون ويجتمعون على مقاومة المستعمر.
حياة الأخضر الصغير
مرَّت حياة بشارة الخوري بعدد من المحطات المهمة التي بدأت مع طفولته، فقد كان أبوه يعمل في مهنة غير متداولة في يومنا هذا وهي مهنة (طبيب أعشاب متجول)، فكان يسافر من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى أخرى؛ لتقديم خدمات التداوي بالأعشاب، وهو ما يجعله يتعرَّف على كثير من أصحاب النفوذ والسلطة، وهو ما مكَّنه بعد ذلك من إبعاد أبنائه عن سجلات الخدمة العسكرية، فلم يدخل الأخطل الصغير الجيش؛ نتيجة معارف والده.
كانت مجلة البرق إحدى المحطات المهمة في حياة بشارة الخوري، إذ كان الفتى الصغير يكتب افتتاحية الصحيفة التي أحدثت دويًا كبيرًا في لبنان، فقد كانت تُعدُّ صوت الشعب الفقير لا سيما في مرحلة الحرب العالمية الأولى؛ ما جعل السلطات الفرنسية تهاجم مقر الصحيفة وتغلق أبوابها أكثر من مرة.
تعرَّض بشارة الخوري لمحاولة اغتيال عام 1910، إذ كانت القوات الفرنسية تطلب رأسه في محاولة لقمع الأصوات التي تُمثِّل الحركة الوطنية في لبنان، وفي العام نفسه أغلقت الصحيفة، وهرب بشارة الخوري إلى إحدى القرى الجبلية، إذ كان يكتب في المجلات والصحف اللبنانية تحت اسم مستعار وهو اسم (الأخطل) أحد شعراء الدولة الأموية الكبار، وكان يرى نفسه امتدادًا لهذا الشاعر الكبير، وبعد مدة استطاع بشارة الخوري أن يعود إلى الحياة الأدبية والسياسية من جديد، وكذلك عادت صحيفة البرق إلى الصدور مرة أخرى عام 1918.
من أهم المحطات في حياة الشاعر والثائر الكبير بشارة الخوري هي ترشحه للانتخابات النيابية في لبنان عام 1925، لكنه خسر الانتخابات ولم يخسر أو يفقد حماسه أبدًا في محاولته أن يكون فاعلًا في حاضر ومستقبل بلاده، وفي العام نفسه انتخب نقيبًا للصحفيين اللبنانيين، فقام الأخطل الصغير بعد ذلك بخطوة هائلة وغير متوقعة، وهي إنشاؤه لحزب سياسي في لبنان عُرِف باسم حزب الشبيبة عام 1928.
ـ وبعدها بعامين أصبح رئيسًا لبلدية برج حمود، وهو ما يُعطي بعدًا آخر لشخصية الكاتب والأديب والشاعر والثائر الذي أصبح أيضًا رجل سياسة معروف في لبنان، حتى بعد إغلاق السلطات مجلة البرق عام 1933 لم يتوقف نشاط بشارة الخوري الثوري والسياسي، إذ عُيِّن عضوًا في المجمع العلمي العربي في دمشق عام 1946، ومستشارًا للغة العربية في وزارة التربية في لبنان.
عُرِف الكاتب الكبير على مستوى الوطن العربي، وأصبحت قصائده تغنى في كل مكان، حتى إن بعض الدول العربية بدأت تدرس قصائده ضمن مناهجها لدراسة الشعر الحديث، وأصبح اسم الأخطل الصغير يوضع في مصاف الشعراء الكبار، حتى إن بشارة الخوري كان أحد الشعراء القلائل الذين بويعوا بإمارة الشعر بعد أحمد شوقي.
اقرأ أيضًا الأديب الشاعر مالك حداد.. طائر الحرية وسجين اللغة
أدب بشارة الخوري
من الصعب الحديث عن أدب بشارة الخوري بأسلوب مختصر، إذ يُعدُّ عالم الأخطل الصغير أحد العوالم السحرية في مشهد الكتابة العربية، فقد كان الرجل يُحلِّق في دنيا الشعر، حتى إنهم قالوا إن الأخطر الصغير أضاء سماء الشعر مرة أخرى بعد عهود من الظلام، فكانت فطرته الأولى والبيئة التي عاش فيها طفولته تمثل ذلك الينبوع الذي يمد قصائده بالمشاعر والعواطف والأحاسيس الجارفة.
أضف على ذلك انخراط الشاعر في الثقافة والمجتمع والظروف التي مرت بها لبنان، فأصبحت أشعار الأخطل الصغير مزيجًا بين الحب والحزن والألم والجمال، فحين يتحدث عن الليل يبحث عن النهار، وحين يصف الألم تستشعر الخلاص، وهكذا فإنك تتورط في قصائد بشارة الخوري في كل مرة.
لُقِّب الأخطل الصغير بشاعر الغزل مع أنه كان يكتب في معظم أشكال الشعر الاجتماعي والوطني؛ وذلك لأنه كان يتسم بعاطفة فيَّاضة وإحساس مرهف، أضف على ذلك خياله الذي تميَّز بالرقة؛ ما جعل الكتاب والشعراء يطلقون عليه (شاعر الهوى والشباب)، وهو ما جعل أيضًا شعراء كبار مثل نزار قباني وأدونيس وأنسي الحاج يقولون إن بشارة الخوري هو الجسر الذهبي الذي مروا عليه جميعًا للوصول إلى أرض الشعر بأمان.
ومع أن بعض النقاد زعموا أن الأخطل الصغير ذو نفس قصير في كتابة الشعر لأن قصائده معظمها قصيرة؛ فإنه كان يحقق في هذه الأبيات المعدودة ما لا تحققه المعلقات والقصائد الطويلة؛ ما جعل كثيرًا من المطربين العرب يتزاحمون على قصائد الأخطل الصغير التي تتحلَّى بالرومانسية الأصيلة والألفاظ العذبة، إضافة إلى قدرته الفائقة على وصف المشاعر وخلق الموسيقى، وروعة انتقاء الألفاظ والإيقاع الذي يُميِّز قصائد بشارة الخوري.
يستطيع بشارة الخوري أن يفاجئك كل مرة في كل قصيدة جديدة، إذ يتميز الشاعر الكبير بالقدرة على ابتكار الصورة، والوثب في مناطق خيالية جديدة بمفردات بسيطة وأنيقة، ودون استخدام رموز معقدة أو مشوشة، وهو ما يمكن أن تطلق عليه البساطة العبقرية، حتى إن بعض النقاد أطلق على أدب بشارة الخوري (رحيق الأرواح)؛ وذلك بسبب تلك النشوة الكبيرة التي يشعر بها القارئ والمتلقي لأشعار الأخطل الصغير الذي يغرق في الجمال والهوى وكأنه في حالة من السكر بلا خمر.
وعلى الرغم من شهرة الأخطل الصغير بالغزل فإنه أيضًا كتب النثر والمقالات السياسية التي لا تخلو أبدًا من اللغة الشعرية التي يمكن أيضًا تصنيفها من أدب المقاومة التي تتميز باللغة العربية البسيطة البعيدة عن الغلاظة اللغوية؛ ما جعل القراء والمتابعين بمختلف ثقافاتهم ينجذبون إلى كتابات بشارة الخوري ومقالاته الافتتاحية، فكان صحفيًّا بدرجة شاعر، وشاعرًا بدرجة ثائر ومجدد.
اقرأ أيضًا نبيل فاروق وتربعه على عرش كتابة الجاسوسية سنوات طويلة
أعمال بشارة الخوري
صدر للشاعر اللبناني الكبير بشارة الخوري ديوانان فقط من الشعر، هما:
ديوان الهوى والشباب الذي صدر عام 1953.
ديوان شعر الأخطل الصغير الذي صدر عام 1961.
وعلى الرغم من قلة عدد الدواوين المنشورة فإن كل قصيدة في الديوانين كانت علامة مهمة، إضافة إلى عدد من القصائد التي لم تُجمَع في حياة الأخضر الصغير، ومن أهم القصائد التي انتشرت في العالم العربي، وعرف بها بشارة الخوري، وغنَّى بعضها مشاهير المطربين العرب:
يا عاقد الحاجبين
كرهت الورد
شاعر يترك الخيال كسيحا
نسيت لون الليالي
ليالي الجهاد
فراشة في قلب وردة
نحن في لبنان
عودوا إلى تلك القرى
إني مت بعدك
قبلات الهوى
الدول العظمى
تحية فلسطين
نماذج من شعر الأخطل الصغير
من قصيدة «إني مت بعدك»
عش أنت إني مت بعدك وأطل إلى ما شئت صدك
كانت بقايا للغرام بمهجتي فختمت بعدك
ما كان ضرك لو عدلت أما رأت عيناك قدك
وجعلت من جفني متكأ ومن عيني مهدك
ورفعت بي عرش الهوى ورفعت فوق العرش بندك
وأعدت للشعراء سيدهم وللعشاق عبدك
من قصيدة «يبكي ويضحك»
يبكي ويضحك لا حزنًا ولا فرحًا كعاشق خط سطرًا في الهوى ومحا
من بسمة النجم همس في قصائده ومن مخالسة الصبي الذي سنحا
قلب تمرس باللذات وهو فتى كبرعم لمسته الريح فانفتح
مال للأقاحية السمراء قد صرفت عنا هواها أرب الحسن ما سمح؟
لو كنت تدرين ما نلقاه من شجن لكنت أرفق من آسى ومن صفحا
من قصيدة «جفنه علم الغزل»
جفنه علم الغزل ومن الحسن ما قتل
فحرقنا نفوسنا في جحيم من القبل
ونشدنا ولم نزل حلم الحب والشباب
حلم الزهر والندى حلم اللهو والشراب
هاتها من يد الرضى جرعة تبعث الجنون
كيف يشكو من الظمأ من له هذه العيون
يا حبيبي أكلما ضمنا للهوى مكان
أشعلوا النار حولنا فغدونا لها دخان
من قصيدة «يا عاقد الحاجبين»
يا عاقد الحاجبين على الجبين اللجين
إن كنت تقصد قتلي قتلتني مرتين
تمر قفز غزال بين الرصيف وبين
وما نصبت شباكي ولا أذنت لعيني
تبدو كأن لا تراني وملء عينيك عيني
ومثل فعلك فعلي ويلي من الأحمقين
مولاي لم تبق مني حيا سوى رمقين
يا عاقد الحاجبين على الجبين اللجين
وفاة الأخطل الصغير
توفي الشاعر الكبير بشارة الخوري في بيروت يوم 31 يوليو عام 1968، بعد رحلة طويلة من الكتابة الثورة والكفاح والمشاركة المجتمعية والتأثير السياسي والأدبي، وذلك في مرحلة من أخطر وأصعب المراحل التاريخية التي مرَّت على لبنان وعلى المنطقة العربية، فقد عاصر الحربين العالميتين الأولى والثانية وحروب العرب مع إسرائيل منذ عام 1948 حتى عام 1967، ليرحل الشاعر الجميل تاركًا خلفه رصيدًا من الشعر يكفي لنثر الجمال والروعة على هذا العالم مئات السنين.
وإلى هنا تنتهي رحلتنا السريعة في عالم بشارة الخوري الأخطل الصغير وشاعر الهوى والشباب، ونتمنى أن تكون قد منحتك المتعة والإضافة، والرغبة في قراءة كلمات وأشعار هذا الشاعر الرقيق الذي تمتلئ قصائده بالمشاعر والخيال والجمال الذي قلَّما يوجد في عالمنا هذه الأيام.
ويُسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل؛ لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.