بين الحرب والمرض والظروف السياسية والخلافات عاش الشاعر السوري الكبير إبراهيم الجرادي عمره متنقلًا من بلد إلى آخر حتى انتصر عليه المرض في النهاية، إذ طرده الحوثيون من صنعاء، واحتل أصحاب الرايات السود مدينته، ومنعه خصومه من إكمال دراسته من إكمال بعثته التعليمية، فكانت الكتابة وطنه الذي يعيش بواسطته، وسلاحه الذي يقاتل به، وطريقته في التقاط الأنفاس عندما تتسارع الأحداث.
وفي هذا المقال نصحبك في جولة استثنائية في عالم الشاعر والناقد والفيلسوف السوري الكبير إبراهيم الجرادي؛ لنتعرَّف على أهم المحطات في حياته الشخصية والإبداعية، ونعدك بكامل المعرفة والمتعة في السطور التالية.
اقرأ أيضًا: محمد أحمد الظاهر شاعر الطفولة
المولد والنشأة والتعليم
ولد إبراهيم الجرادي هناك على الحدود التركية السورية في قرية بندرخان التابعة لمحافظة الرقة عام 1951، حيث قضى طفولته وتعليمه الأول، ثم انتقل إلى مدينة الرقة، حيث لا توجد في قريته مدارس ثانوية، وبذلك تعرف على مجتمع جديد منفتح، وقابل عددًا من الشباب الذين يهتمون بالكتابة والأدب في مرحلة التعليم الثانوي.
ثم انتقل بعد ذلك إلى مدينة دمشق العاصمة السورية؛ لكي يلتحق بالجامعة، ثم حصل على بعثة في الاتحاد السوفيتي عن طريق انتسابه إلى الحزب الشيوعي، ثم كان موقفه من زعيم الحزب خالد بكداش سببًا في فصله من الحزب، وبذلك حرمانه من البعثة وفصله من الدراسة في معهد السينما؛ وهو ما جعله يتجه إلى دراسة الأدب المقارن في معهد كراسنودار في روسيا.
حياة إبراهيم الجرادي
أولى محطات الشاعر الكبير إبراهيم الجرادي هي انضمامه لمجموعة من مثقفي مدينة الرقة عقب هزيمة يونيو عام 1967، وإنشائهم لجماعة (ثورة الحرف) عام 1968، وهو ما منحه كثيرًا من الزخم في القراءة والكتابة والدخول في المناقشات الثقافية العميقة، إذ كان هدفهم جميعًا الخروج من عباءة الهزيمة والثورة على الأمور التقليدية والمتوارثة، وهو ما دفعه أكثر إلى تكوين الشخصية الأدبية وكتابة عدد من الأعمال في ذلك الوقت.
كان إبراهيم الجرادي عضوًا في الحزب الشيوعي السوري، لكنه انقلب بعد ذلك على الحزب، أو قل على بعض أفراد الحزب، إذ كان الجرادي ينفعل كثيرًا للقضايا العربية والسياسية، وكان الجو العام في أسوأ حالاته، وعندما انقسم الحزب الشيوعي بين مؤيد لسلطة الرئيس السوري حافظ الأسد وبين معارض له؛ كان موقف إبراهيم الجرادي مزعجًا لرئيس الحزب، كما أن إبراهيم الجرادي كتب فيه قصيدة يهجوه؛ ما جعله يفصله من الحزب ويحرمهم من البعثة التعليمية.
عُرِف عن إبراهيم الجرادي الإنسان أنه كان شخصًا رومانسيًّا هادئ الطباع على الرغم من ثوريته وعصبيته الشديدة فيما يخص القضايا التي يؤمن بها؛ فكان الرجل دائما محملًا بالقضايا والهموم، وهو ما ظهر في شعره وكتبه وآرائه التي تحولت إلى حوارات ذاتية أو متخيلة، لا سيما تلك القصائد التي امتزج فيها شعر التفعيلة بالنثر، وهو ما يوضح حقيقة شخصية الرجل الهادئ المملوء بالثورة المنظم الذي يحتوي بداخله فوضى كبيرة.
كما التحق إبراهيم الجرادي أيضًا بالمقاومة الفلسطينية مدة طويلة، وعمل في مؤسساتها، ونال الشاعر الكبير درجة الدكتوراه في الأدب، وهو ما منحه الفرصة ليعمل مُدرِّسًا للأدب في الجامعات اليمنية، ليعيش تجربة أخرى في اليمن بعد تجربته في روسيا قبل أن يعود إلى سوريا، ويصبح عضوًا في المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب، والموجود في العاصمة السورية دمشق، ثم يمارس عادته في الثورة على الأوضاع التي لا تعجبه، ويقدم استقالته عام 2012 من الاتحاد.
اقرأ أيضًا: في ذكرى رحيل عبد الكريم غلاب.. الثائر والفيلسوف وعميد الأدب المغربي
أدب إبراهيم الجرادي
على الرغم من سعي الأديب والكاتب الكبير إبراهيم الجرادي إلى التميز والتفرد وصناعة تجربة شعرية مختلفة وخارجة عن المألوف ومحطمة للموروثات الشعرية الموجودة من قبل ونزعته إلى الابتكار، لكن الطابع الوجداني المتفرد كان غالبًا على معظم كتاباته والإيقاع الشعري الذي يمزج ما بين النثر والتفعيلة، بالإضافة إلى تأثره الكبير بالموروث الشعري العربي؛ نتيجة تشبعه بالثقافة العربية ودواوين الشعراء الكبار.
تأثر إبراهيم الجرادي كثيرًا الشاعر محمود درويش، حتى إنه كتب مجموعة شعرية بعنوان محمود درويش ينهض، التي تشهد على استلهام إبراهيم الجرادي لشعرية محمود درويش ولغته وطريقته، وكأنها طريقة الرجل في رثاء الشاعر الكبير الذي أحبه وتأثر به طوال عمره.
كذلك تنبع رومانسية إبراهيم الجرادي وحساسيته الشديدة من الزخم الكبير الذي يملأ وعيه وعقله وقلبه بعدد من القضايا والهموم التي يأتي على رأسها قضية الحرب في سوريا واليمن والقضية الفلسطينية، ومن قبل كل ذلك النزاع العربي الإسرائيلي الذي عاشه إبراهيم الجرادي وأدباء جيله، وبذلك تظهر المفردات بقوة الرصاصات أحيانًا، ووهن وضعف الحزن والهزيمة والألم أحيانًا أخرى.
لم يكن إبراهيم الجرادي شاعرًا فقط، ولكن كان ناقدًا ومترجمًا ومدرسًا للأدب، فكان متعدد المواهب غزير الإنتاج، بالإضافة إلى لغته الروسية القوية وقراءاته في الأدب الروسي والأدب العالمي، وهو ما يجعلهم يطلقون عليه "الأديب متعدد المواهب"، لكن الأمر لا يتعلق فقط بالتعدد والغزارة، وإنما بالجودة العالية التي تميَّزت بها كتابات إبراهيم الجرادي في كافة الأشكال الإبداعية.
اقرأ أيضًا: أيمن العتوم السهل الممتنع والمحارب المسالم
أعمال إبراهيم الجرادي
في مجال الشعر
- أجزاء إبراهيم الجرادي المبعثرة عام 1981
- رجل يستحم بامرأة عام 1983
- شهوة الضد عام 1985
- موكب من رذاذ المودة والشبهات عام 1986
- عويل الحواس عام 1995
- دع الموتى يدفنون موتاهم عام 2000
- الذئاب في بادية النعاس عام 2000
- حديقة الأنقاض عام 2012
في مجال القصة
- الدم ليس أحمر عام 1985
في مجال الدراسات الأدبية والنقدية
- دراسات في أدب عبد السلام العقيلي
- الإشكال في الشعرين الروسي والعربي
- شعراء وقصائد ومختارات من الشعر السوفيتي عام 1986
- أوجاع رسول حمزاتوف عام 1988
- الحداثة المتوازنة دراسات في أدب عبد العزيز المقالح عام 1995
- مسامير في خشب التوابيت عام 1995
- محمود درويش ينهض عام 2010
مقتطفات من أشعار إبراهيم الجرادي
من قصيدة محطة التعب الأخيرة
- يا حنين الاغتراب يا زمان الهجرة الأولى و يا سر الشموس الميتة
يا مصب الوجع الدهري .. سويت العذابات التي نامت بأعصابي
انتحابا .. شهوة .. مملكة خيلا .. وأنا قوسا بلحمي
يا جئير الجسد المشوي بالشهوة دعني أتملى
أيها الحزن الذي يطلع في صدري صحاري
يا نخيل الشط والصمت ويا موسم حزني
هل تعرفت على العاشق والمنفى والمقتول والباكي أنا؟
هل تعرفت على من مارس النزيف بكل الطرقات ؟
شاعر يستل من صدغيه أفكارا شهية ويصلي عدد الرمل إلى عينين
كالبحر انثريني فأنا أهواك ولو سويت من جسمي خيولا ومآتم
وأنا أهواك أهواك وأنت الخائنة
- من قصيدة لست محظوظًا لكي أغفو على وتر وناي
أنة الصوت التي أدركها في الذئب قادتني
إلى ما يجعل الذئب صديقي و ترفقت كثيرًا
بالذي غادرني سهوا وأهداني أساي
لست محظوظًا لكي أغفو على وتر وناي
لست محظوظًا لأني كلما أسلمت أسراري لأهلي ساء ظني
غادروني قبل ميعاد الأسى واستدركوني بالعذابات
وصوت الله في كلما ملحني الدم وفاضت في عيوني شهوة التابوت
- من قصيدة كونشرتو للتعب
أذكر حين لبسنا قمصان الغربة وتسللنا و تسكعنا
و توسدنا أرصفة الآه كان الليل يدس حنانا والبرد صديقًا كان
وأنا اهذر عن أشياء لا تعنيك قلت مفضوح عرض العالم في سرته تنمو أفعى
يحبل بالتخريب العلني وبالتهديد الأسود
وطني كل عذابي .. قال البعض وطني امرأة.. فقدت أبناء وفراشًا
قرن رغائب معقولة وطني أطبق فوق أصابعه الباب
أتدخن..؟ لا وحضنت ظنوني يا أدفأ من أمي
أدخلت جنوني جذع الرغبات الوعرة والليل حنونا
كان البرد صديق والثلج الأبيض غطى كفيك وكتفي
وفاة إبراهيم الجرادي
توفي الشاعر والناقد السوري الكبير إبراهيم الجرادي يوم 29 سبتمبر عام 2018 في العاصمة السورية دمشق بعد وعكة صحية تعرض لها، وكان قد خضع قبلها بعدة أشهر لعملية جراحية بعد ما عاش حياة مملوءة بالسفر والألم التي قال عنها في إحدى لقاءاته (إنها تمارين على معايشة الألم)، وقد رأى بلاده التي أصبحت حطامًا نتيجة الحرب الأهلية، كما رأى أصحاب الرايات السود يحتلون مدينته (الرقة)، كذلك أجبر على مغادرة العاصمة اليمنية صنعاء بعد ما احتلها الحوثيون، ليترك العالم ويغادر الألم تاركًا خلفه ميراثًا كبيرًا من الأدب والجمال والفروسية التي تليق بشاعر.
وفي نهاية هذه الجولة في عالم الشاعر والناقد السوري الكبير إبراهيم الجرادي نتمنى أن نكون قدَّمنا لك المتعة والإضافة، ويُسعدنا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقالة على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.