في الثّقافة الإسلاميّة1


الثّفافة من المصطلحات الّتي يتلذّذ الكثيرون بذكرها، ويتصنّعون الحصول عليها، فهو بلا شكّ -أي مصطلح الثّقافة- عنوان للحضارة والفهم، وبيان الأخذ بزمام التّقدّم والعصريّة، لذلك نجد أنّ معظم مدعي التّجديد يحدّثوننا عن الثّقافة عند كلامهم عن الحضارة الإسلاميّة، مكثرين من قولهم (الثّقافة الإسلاميّة)، أو (مثقّف إسلاميّ)، وهي في الحقيقة كلمة فضفاضة، وفي أكثر الأحيان تكون كما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "كلمة حق أريد بها باطل". لأنّ من يقولها يوحي للسّامع بأنّ الإسلام عبارة عن ثقافة، وأنّ من ينادي بتطبيق الإسلام هو متأثّر بالثّقافة الإسلاميّة، والّتي هي ليست محلّ إلزام، كونها ثقافة من صنع البشر، فيحقّ لكلّ إنسان أن يختار منها ما يلائم طبعه وذوقه وتفكيره، والإسلام في الحقيقة ليس ثقافة، إنّه دين منزل، أوامر ونواهي من الله ورسوله، ليس للإنسان المسلم معها حق الاختيار، إنّما له معها حقّ أن يطبّقها حسب استطاعته، كما بيّن الشّارع الحكيم، لكنّ البعض جعل الثّقافة الإسلاميّة موازية للدّين الإسلاميّ، وليست تابعة له، وهذا الامر خطير؛ لأنّه يقود البعض إلى رفض أوامر الدّين والاختلاف معها، بعد أن توصف بأنّها ثقافة؛ لأنّه ربما يصعب عليهم نقد أوامر الدّين، لو تكلم عنها بوصفها أوامر منزلة من الله العزيز الحكيم.

يجب الحذر من قول بعضهم (أفكار إسلاميّة)، أو (مفكر إسلاميّ)؛ لأنّ الإسلام ليس فكرًا يحتمل الخطأ والصّواب، إنّما هو فقط صواب، وحقّ منزل من الله تعالى، أمّا الأفكار فتحتمل ذلك بالطّبع؛ لأنّها من صنع البشر، والّذين منهم المسلمون، فتنسب لأصحابها فيقال: (مفكّر مسلم) أو (أفكار رجل مسلم). ومثلها ما يسمّيه البعض عن قصد أوعن جهل (بالتّراث الإسلاميّ) أو (كتب التّراث الإسلاميّ)، ويقصدون به القرآن والسّنّة، وما ألّفه العلماء من شروح وتفاسير عليهما اعتمادًا على الدّليل، وهذا أمر خطير؛ لأنّ التّراث فيه الحقّ والباطل، والصّواب والخطأ، أمّا الإسلام كدين فليس فيه إلّا الحقّ والصّواب كما أسلفنا القول، إنّ التّراث هو تراث المسلمين الّذين هم بشر يخطؤون ويصيبون، فتراثهم فيه هذا وهذا، لا أن ينسب التّراث إلى الإسلام، فيصبح أمر غير لازم الاقتداء به، والأخذ بأوامره، ومن الممكن تغيّره وتنقيته كما ينادي البعض باعتباره تراث وليس شرع منزل، وهذا أمر خطير جدًّا.

إنّ الثّقافة هي مجموعة المعارف الّتي يحرص الإنسان على جمعها دون إكراه، ودون قصد تحقيق مصلحة ماديّة، كالحصول على شهادة، أو وظيفة، أو جائزة، إنّما فقط هدفه الحصول على معلومات يدّخرها في عقله إلى وقت الحاجة إليها، والثّقافة مصنوع وإنتاج إنسانيّ، يأتي من تراكم المعلومات والخبرات والقراءات، سواء من الصّحف أو الكتب أو المجلّات أو الجدران والمطويّات، أو ما يسمعه الإنسان أيضًا عبر فترات حياته المختلفة، أو ما مرّ به هو شخصيًّا، أو مرّ به غيره من تجارب، وقد تكون هذه الثّقافة مفيدة وصحيحة، وقد تكون غير ذلك، أمّا الإسلام فهو أمر إلهيّ لا يحتمل الخطأ، إنّما هو صواب فقط، والخطأ قد يقوم به بعض أتباع الإسلام، فالحروب الّتي قامت بين المسلمين مثلًا ليست ذنب الإسلام؛ لأنّه لم يأمر بها، إنّما هي ذنب بعض المسلمين الّذين أشعلوها، فلا ينتقد الإسلام لأجلها، ثمّ إنّ الثّقافة لا تتعلّق بالأمور الأصيلة في الإسلام، فيقول أحدهم مثلًا إنّ الصّلاة والزّكاة والقصاص والحجاب وتوزيع الميراث، والحجّ، أمور تتعلّق بالثّقافة الإسلاميّة، فيصف مثلًا فلانًا الّذي هو على خلاف فكريّ معه كما يقول، إنّه كان يختلف معه لأنّه كان ذو ثقافة إسلاميّة، فهو يرفض مبدأ الفوائد البنكيّة، ويهاجم الدّعوة إلى المساواة في تقسيم الميراث؛ أي أنّه جعل أمر الدّين وواجباته من الأمور الثّقافيّة الّتي يسع النّاس من المسلمين الاختلاف فيها، ليس الاختلاف الّذي هو من حيث باب المسموح من عدمه فيها، لأنّ هذا وارد وطبيعيّ، إنّما الاختلاف  من باب رفضها وإنكارها من الأساس، باعتبارها أمورًا ثقافيّة تختلف من مسلم إلى آخر، وهذا والله من الرّزايا والبلايا ولا شكّ.

يعتقد البعض للأسف أنّه حيث المصلحة يكون الشّرع، أمّا الحقيقة فهي أنّه حيث الشرع تكون المصلحة، لأنّ شرع الله صالح لكلّ زمان ومكان، وهو لا يأتي إلّا بالصّلاح والخير، حتّى لو اعتقد الإنسان غير ذلك، بسبب جهله أو غفلته، أو هواه الّذي يحكمه..........يتبع.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب