في التيه والافتضاح.. قصيدة شعرية

في هذه القصيدة المشحونة بالأسئلة والظلال، يصوغ الشاعر مونولوجًا داخليًا متوترًا، تدور فيه الذات حول محاور من الخذلان والتيه والبحث عن طمأنينة ضائعة، اللغة هنا ليست وسيلة إيضاح بل وسيلة قلق، والموسيقى اللفظية المتكررة لا تهدهد بل تزعزع. القصيدة، وإن بدت ملتفة حول ذاتها، فإنها تكشف عن معركة بين الأمل والخواء، بين الوعد بالانشراح والحقيقة المُضمَرة في الافتضاح. هي رحلة بين الأضداد، تؤديها اللغة كأنها طقس شعريّ غامض في معبد الصمت.

بنــــــجاح     وارتيــاح 

وصـــلاح     وفـــــلاح

أين يُؤْسَى    كيف يُنسَى؟

كيف يُرْسَى   في الرواح؟

كيف يُخْزَى   كيف يُجْزَى؟

أين يُعْزَى      للرمــــاح؟

كيف أمسى    حيــن مُسَّا؟

هـــل تأسَّى    بانـــــفتاح؟

راح أضنى    حــــين هنّا

كيف أغنى     في انفساح؟

ضرَّ نفـــسا    نــــال بأسا

ضــــمَّ يأسا    بالــــسماح

ليـــــس يألو    حين يعلو

وهو يجلـــو    بافتــضاح

أيها الأمْـــــ     ـرُ الذي تمّْ

كيف يأتمْــــ     ـمُ انشراحي؟

لمَّه مــــــــا      لمَّ لمـــــــا

وهو أسمــى      باصطلاحِ

ليس ينــــجو      حين يرجو

كيف يهـــجو      بانـــقداح؟

كيـــف أثرى      حين أجرى؟

وهو أحـــرى     بالقُـــــراحِ

فــي اللــــيالي     والــــخيال 

يــــا ســــؤالي.    في النواحي 

طار وهــــــــم     حين ينــمو

كيف يســـــــمو    بالوشــاح؟

البنية الموسيقية في القصيدة

القصيدة مكتوبة على شكل مقطوعات رباعية في أغلبها، تتخللها تفعيلات متقاربة، وأغلب الأبيات تنتمي إلى بحر الرجز (مستفعلن مستفعلن مستفعلن)، مع ترخيم موسيقي يعززه التكرار اللفظي والصوتي:

بنجاحٍ وارتياحٍ
وصلاحٍ وفلاحِ

هذا التناسق الرباعي يُضفي على القصيدة وقعًا ترنيميًا كأنها تراتيل وجودية أو مناجاة فلسفية مترددة داخل الذات.

الأسلوب الفني والبلاغي في القصيدة

  1. الأسئلة المتتابعة:

    القصيدة تبني عالمها على أسئلة متلاحقة (كيف، أين، هل...)، وهي ليست أسئلة بحث عن إجابة بقدر ما هي أسئلة كاشفة عن اضطراب داخلي أو قلق وجودي.

    أمثلة:

    كيف يُنسى؟
    كيف يُرْسى في الرواح؟
    كيف يُجزى؟

    هذه الأسئلة تُبرز التيه والخذلان والبحث عن معنى.

  2. التضاد والمعجم النفسي:

    هناك تكرار لمفردات الضياع والخذلان: (يُنسى، يُخزى، يألو، يأتم، يأس، فتضاح، افتضاح).

    في مقابلها مفردات النور أو الارتقاء: (ينجو، يسمو، انشراحي، الفلاح، القُراح).

    هذا التضاد يخلق توترًا داخليًا يُعبّر عن معركة بين النور والظلمة في النفس.

  3. الضمائر والتوجيه الذاتي:

    استخدام المخاطب في:

    أيها الأمر الذي تمّ
    يا سؤالي

    يوحي بأن الشاعر يُحادث ذاته، أو قدره، أو فكرة غامضة تحاصره؛ ما يجعل القصيدة نوعًا من المونولوج الداخلي الصوفي.

الرمزية في القصيدة

  • الكلمات مثل «الرمــــاح»، «انفتاح»، «انشراحي»، «الوشاح» ليست مجرد صور بل رموز لحالات نفسية أو مراحل في حياة الإنسان.

  • الرمح = العنف/المواجهة

  • الانفتاح = التحول

  • الوشاح = الزينة/الهوية

القصيدة كأنها تحلل مصير إنسانٍ بعد تجربة فارقة، فيها خيبة وانطفاء، يتساءل بعدها عن جدوى السمو أو الارتقاء.

ختامًا، ليست القصيدة إجابة، بل سؤالٌ يتشظّى من كل جهة، يتخذ شكل الرمح مرة، وشكل الوشاح مرة أخرى. واللغة، في هذا النص، لا تتجه نحو القارئ فقط، بل نحو الداخل: نحو قلب الشاعر وخوفه، وتردده بين أن يسمو أو يُنسى. هكذا يتركنا النص في المنتصف، بين النجاة والافتضاح، كأننا نقرأ اعترافًا مؤجلًا لا يبحث عن حلّ، بل يكتفي بأن يُقال.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة