في التَّاريخ الإسلاميّ 5


تتطرَّق كُتب الأدب كثيرًا إلى التَّاريخ، ولا سيما التَّاريخ الإسلاميّ، ومن يطالع كُتب الجاحظ أو ابن عبد ربّه صاحب العقد مثلًا من الجيل القديم، وكُتب العقاد وطه حسين من الجيل الحديث يجد أن كتبهم مليئة بالرِّوايات التَّاريخيّة، ولكن هل يصلح الأدب مصدرًا للتاريخ؟ طبعًا ما روي بالإسناد الحكم عليه معلوم كيف يكون، ولكن ما ذُكر فيها دون ذلك علينا أن نعرف أنه لا يصلح كمصدر للتاريخ، سيما أن عارض المشهور من الرِّوايات، لأن الأديب لما يتطرّق لحوادث التَّاريخ، فإنه لا يهتمّ يصدقها من عدمه، إنما  كل ما يهمّه هو جمال النصّ وبلاغة الكلمات وحبكة القصّة، لأنه في النهاية أديب وكل ما يهمّه أن يكون أسلوب القصّة وألفاظها محبوكة وبليغة وجميلة، تطرب السامع، وحبذا لو كانت غريبة غير مشهورة، لأن الأذن تحب أن تسمع الغرائب، فهي مجبولة على حبّ الغريب والنادر.

فإذا كان الحدث أو القصّة الَّتي يذكرها الأديب فيها أبيات شعر جميلة، وكلمات بليغة عذبة، فإذن لا أهمية كونها حقيقة أم خيال، لذلك قيل قديمًا: أعذب الشعر أكذبه، فإن أفضل الأدب أكثره خيالًا، فلا يهم مثلًا بالنسبة للأديب أن يذكر أبياتًا شعرية استشهد بها معاوية بن أبي سفيان في مرضه الَّذي مات فيه، عندما زاره الحسن بن علي بن أبي طالب، دون أن يعير الأديب اهتمامًا كون الحسن مات قبل معاوية بثماني سنوات!! فكيف يزوره عند مرضه؟ ما يهم الأديب هو أن القصّة جميلة والشعر ممتاز، والناس تحب أن تسمع قصصًا كهذه، هذا هو ما يهمّه.

ما ينطبق على الأدب قديمًا ينطبق على السينما والدراما التلفزيونيّة اليوم، فهما لما يجسدا حياة شخصيّة مشهورة، أو أحداث تاريخيّة كبيرة، تهمّهم بالدراما والمثيرات وليس الَّذي وقع فعلًا، لأن ما وقع يمكن أن يجعل المسلسل أو الفلم عملًا وثائقيًا، وليس دراما تشدّ المشاهد، لذلك لا يمكن أن نعرف التَّاريخ من خلال الدراما، لأن أجمل الفلم أكذبه تمامًا كالشعر.

يتبع...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب