F1 وتشيز برجر السينما.. حين يصنع الشغف الفيلم

في فيلم The Menu، أحد أبرز أفلام الرعب الساخر والدراما الاجتماعية في السنوات الأخيرة، تتعدد الإسقاطات التي يعالجها العمل؛ من نقد الاستغلال الرأسمالي للفنانين، إلى السخرية من العلاقة المتوترة بين مقدِّمي الفن ومتلقيه. يذهب الفيلم أبعد من ذلك، ليكشف كيف يمكن أن يتحول الشغف الفني إلى هوس، يدفع الفنان أحيانًا إلى فقدان البوصلة، ونسيان الغاية الحقيقية من فنه.

سأستعين بمونولوج إحدى شخصيات الفيلم، مارجو، التي كانت تمثل صوت الهوية والاختيار. بعد أن قدَّم لها الشيف جميع أنواع الطعام المصنوعة بدقة ومن أجود وأندر الأصناف، دون أن تنال إعجابها، واجهته أخيرًا قائلة:

«لقد سلبت المتعة من الطعام. كل طبق قدمته كان تمرينًا عقليًا، بدلًا من أن يكون شيئًا نود الجلوس والاستمتاع به. طعامك بلا حب. أنت تطبخ بهوس، وليس بشغف. حتى أطباقك الساخنة كانت باردة. أنت شيف، وهدفك الوحيد في هذه الحياة هو أن تطهو طعامًا يُسعد الناس، وقد فشلت في ذلك. أشعرتني بالملل. والأسوأ من كل هذا... أنني ما زلت جائعة».

يتأثر الشيف بكلماتها، ويسألها: «إلى أي درجة أنتِ جائعة؟ وماذا تريدين أن تأكلي؟» فتجيبه ببساطة أنها تريد تشيز برجر، ليس البرجر الفاخر، بل ذلك العادي، الصادق، الذي نأكله بحب.

وهنا تكمن الفكرة. فكل ما كان مطلوبًا هو تشيز برجر مصنوع بإتقان وبساطة، يُشبع الجوع ويمنح المتعة.

وأعتقد أن هذا بالضبط ما فعله فيلم F1: كان «تشيز برجر سينمائي» مصنوعًا جيدًا، عفوي لكنه مشبع، ممتع دون تعقيد، وصادق في تقديمه للمتعة التي نبحث عنها نحن المشاهدين.

جوزيف كوسينسكي.. صانع البرجر الجيد

بعد جائحة كورونا، التي أثَّرت على نحو بالغ في دور العرض السينمائي، خصوصًا مع صعود المنصات الإلكترونية التي حققت رواجًا كبيرًا خلال تلك الفترة، كان لا بد من فيلم يُعيد الجماهير إلى مقاعد السينما. فيلم يمثل وجبة سينمائية حقيقية تُقنع الجمهور بأن التجربة لا يمكن تعويضها عبر الشاشات الصغيرة. هذا ما حققه Top Gun: Maverick.

من المعروف عن توم كروز حبه العميق للسينما، وحرصه الدائم على دعم الصناعة حتى في مشروعات زملائه أو منافسيه. إنه يفهم، ببصيرة نادرة، أن دعم الصناعة يصب في مصلحته بصفته فنانًا وممثلًا. لذلك كانت Top Gun: Maverick وجبة دفعت الجميع من جمهور الثمانينيات الذي شاهد الجزء الأول، حتى الجيل الجديد الذي يثق في جودة أعمال كروز للعودة إلى صالات السينما. والنتيجة؟ أكثر من مليار دولار على مستوى العالم، وفيلم أعاد التأكيد على أن المنصات الإلكترونية قد تقدم محتوى جيدًا، لكن توجد تجارب سينمائية لا تُقدَّر بثمن خارج قاعة العرض.

بعد ثلاث سنوات، يعود إلينا فيلم F1 لكن هذه المرة، يبدأ العالم في ملاحظة من يقف خلف الكاميرا: جوزيف كوسينسكي.

في Maverick، ركَّزت الأضواء على توم كروز، أما الآن، فتتجه الأنظار إلى المخرج الذي قدَّم لنا مشاهد طيران مذهلة، ليصنع من جديد مشاهد سباق فورمولا 1 تحبس الأنفاس.

قد تبدو القصة من الخارج مألوفة: بطل متقدِّم في السن، متهوِّر قليلًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا في فريقه، ويحمل ماضيًا مؤلمًا. لكن F1 يذهب أبعد من ذلك. صحيح أنه لا يملك «براءة الاختراع» التي تمتع بها Maverick في تقديم تجربة جديدة كليًا، فسباقات السيارات طالما كانت موضوعًا سينمائيًا، لكن هذا الفيلم يقدِّم لنا «تشيز برجر» متقن الصنع.

موسيقى تصويرية ساحرة من هانز زيمر، مشاهد سباق مصمَّمة بعناية لم نشاهد مثلها من قبل، اهتمام دقيق بتفاصيل الرياضة: من تصميم السيارات، إلى ديناميكية تقنيات المحاكاة، وصولًا إلى الضغط النفسي الذي يواجهه طاقم الميكانيكيين خلال تغييرات الإطارات التي تُنفذ في ثوانٍ. كل ثانية تصنع الفارق، وهذا ما يجعل الفيلم ينبض بالحياة.

الأهم أن الفيلم يشرح قواعد اللعبة، ويكشف بعض الخدع التي تستخدمها الفرق، دون الوقوع في فخ التلقين أو الشرح الممل. كل شيء يأتي في سياقه الدرامي الطبيعي.

جوزيف كوسينسكي، ببساطة، هو صانع برجر جيد. ليس البرجر الأكثر تعقيدًا أو غرابة، لكنه متقن، شهي، ويستحق أن تنهض من مكانك، تشتري تذكرتك، وتجلس ساعتين في قاعة مظلمة لتعيشه بكل حواسك.

السينما والتكلف الزائد

وهذا لا ينفي على الإطلاق أهمية الأفلام الذاتية، أو السيريالية، أو تلك التي تطرح أسئلة وجودية عميقة في إطار الحياة. بل على العكس، هذه الأفلام غالبًا ما تكون الأقرب إلى ذائقتي الشخصية، وتتفوَّق أحيانًا على أفلام التقنية والبهرجة.

لكن يظل التنوع ضرورة، والهوس لا يتعلق فقط بالأفلام الذاتية. فحين يغلب الهوس بالتقنية على حساب جوهر الحكاية، قد تتأثر جودة الفيلم سلبًا.

كمثال، في الجزء الأخير من سلسلة Mission: Impossible التي يُعد توم كروز رمزها الأبرز، كان الهوس بتنفيذ مشاهد الخطورة بأحدث الطرق الممكنة واضحًا، لكن هذا لم ينعكس إيجابًا على مستوى الفيلم ككل، فجاء مخيبًا لتوقعات الجمهور والنقاد، على الرغم من انتمائه إلى واحدة من أنجح سلاسل الأكشن.

وفي مفارقة لافتة، كثيرًا ما تكون أفلام البلوكباستر هي التي تمنح صنَّاعها فرصة تنفيذ مشاريعهم الذاتية. فمن خلال النجاح التجاري الهائل، يكتسب المخرج أو الكاتب ثقة المنتجين والجمهور، أو يحظى بفوائض مادية تتيح له لاحقًا صناعة أعمال أكثر خصوصية وتجريبًا.

فالعمل الفني، أيًا كان نوعه أو لغته، هو تجربة معقدة، تتأثر بعوامل متغيرة وسريعة التحول، وخاصة في السينما، هذا الفن السابع، الذي يجمع في داخله كل الفنون التي سبقته: من العمارة والنحت، إلى الرسم والموسيقى. وهذا يظهر مدى تعقيد التجربة.

لكن ما يظل ثابتًا، أن العمل إذا صُنع بشغف وصدق، وتجنَّب التكلُّف أو التصنع، فإنه غالبًا ما سيصل إلى المتفرج، حتى لو شابه بعض القصور. فالشغف يُرى ويُحسُّ، ولا يخفى أبدًا على من يتلقى الفن بقلبه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.