يروي فيلمBooksmart قصة فتاتين في آخر يوم لهما فى المرحلة الثانوية، وهما فتاتان مجتهدتان فى دراستهما, وقد كانتا بعيدتين عن أجواء المرح والأصدقاء المرحين طوال فترة دراستهما, ولكن كل هذا يتغير, عندما تعرف احدى الفتانين أن زملاء لها فى المدرسة تراهم هي لا يبالون بالدراسة وغير مجتهدين سوف يلتحقون بنفس الجامعة التي ستلتحق بها هي! وربما في بعض الأحيان بجامعات أفضل بل وأحدهم سوف يتعين فى شركة جوجل!
فعندما تستعحب الفتاة "مولى" من ذلك, تقول لها إحدى زميلاتها أنها كانت أيضاً تهتم بالدراسة, ولكن ليس "فقط" بالدراسة! وفي تلك اللحظة تدرك "مولى" ما فاتها هي وصديقتها من مرح, وكيف اأهما لم يحظيا "بالشيئين" -اي التفوق في الدراسة والمرح- مثل زملائهما, ولذلك تقرر الصديقتان الإحتفال مع باقي زملائهما وتعويض ما فاتهما من مرح طوال فترة الدراسة, وتتوال الأحداث...
ما لفت نظري في هذا الفيلم هو تطبيق فكرة أرسطو عن "الوسط الذهبي" الى حد كبير فيه, وخاصة تطبيقها على " التفوق في الدراسة", كإحدى الفضائل التي اذا ما تطرفنا فيها انقلبت لرذيلة, وانها ليست مثل فضيلة العدل مثلا التى لم يطبق عليها هذا المقياس:" ولم يطبق هذه النظرية على العدل، فلم يبين أية رذيلتَيْن هو وسط بينهما؛ لأنها في نظره على ما يظهر فضيلة الدولة أكثر منها فضيلة الفرد، حتى يظن بعضهم أن الكتابة عليها في كتاب الأخلاق لأرسطو جاء من خطأ الوضع".(1)
فنرى أن الفيلم تعامل مع هذه الفضيلة "التفوق فى الدراسة" على أنها أيضا أحد الطرفين, وأن التوسط والاعتدال فيها هو الفضيلة, فلم يقل الفيلم بالتطرف الى الجانب الآخر وهو إهمال الدرسة كلياً, وإنما بين انه يجب أن يكون هناك اعتدال بين الدراسة والمرح, بلا إفراط او تفريط, وأن الدراسة لا تتعارض مع المرح, او اننا يجب أن نختار مثلما عنون كيركجارد أحد كتبه: "اإا...أو" (2) وإنما في مقدرة الفرد أن يختار الشئيئن معا بلا داع للإستغناء عن أحدهما فى مقابل الآخر.
بل إن الفيلم يرسخ لفكرة أن الاعتدال هو الفضيلة, وأن النقيضين هما الإثنان على خطأ, وإنما التوسط بينهما هو الحل الأمثل, كما هى نظرية أرسطو: "والفضيلة في الوسط، وهو الاعتدال، ونشأ من هذا ، نظريته المعروفة بنظرية الأوساط أي إن كل فضيلة وسط بين رذيلَتَين(3) ".
ونجد أيضاً أن "ول ديورانت" تحدث عن نظرية الوسط الذهبي عند أرسطو بتطبيقها على الشباب حيث يقول: "الشباب هو زمن التطرف, وعندما يرتكب الشباب خطأ فإن هذا الخطأ يجنح إلى جانب التطرف والمبالغة. إن صعوبة الشباب الكبرى هي في الخروج من تطرف والوقوع في تطرف معاكس له. لأن التطرف الواحد يؤدي بسهولة الى الآخر سواء بسبب زيادة التقويم أو غيرها. أولئك الذين يشعرون بتطرفهم في أمر من الأمور لا يطلقون إسم الفضيلة على الوسط ولكن على التطرف المقابل لتطرفهم"(4).
وهكذا, فإننا نلاحظ أن من أهم رسائل الفيلم العديدة هو رسالة الاعتدال في كل الأمور, حتى فى التفوق الدراسى, وإن المغالاة في أي شيء مهما بدت فيه المغالاة جيدة, فإنها على الأرجح ليست كذلك. وأن الحياة بها الكثير من الجوانب وبها العديد من الأبعاد المختلفة, التى لايجب أن نقتصر على واحدة منها فقط دون الأخرى, مهما بدا ذلك الجانب الواحد مهما أو بدا ذلك البعد الواحد ضروريا, لأن الحياة ما تزال أكبر من كل ذلك, وأن الانسان قادر على استيعاب والاستفادة من جميع جوانب الحياة المختلفة, لذلك فسيكون الإقتصار على جانب واحد من الحياة هو إهدار لها وعدم استفادة منها باقصى درجة ممكنة, لان الحياة والانسان أغنى وأثرى كثيرا من أن يتم حصرهما وإختزالهما فى بعد واحد أو جانب واحد, وإنما يجب على الإنسان أن يستكشف الحياة وأن يفتش فى نفسه عن جوانب أخرى وأبعاد أخرى لانه دائما ما يوجد هناك المزيد, مما يستطيع الإنسان تحقيقه أو التفكير فيه أو القيام به, ولذلك, يجب ان لا نختزل انفسنا وذواتنا فى بعد واحد من الحياة, وإن كان حتى التفوق في الدراسة!
(4) ول ديورانت, قصة الفلسفة, ترجمة: الدكتور فتح الله محمد المشعشع, ص88.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.