فيلم ماريا.. خذلان ماريا كالاس وتحليل لأداء أنجلينا جولي

الخذلان يمكن ربط هذه الكلمة بحياة الإنسان، فنجد هذا الشعور رفيق درب رحلة العمر، كوننا معرضين دومًا للطعن بخنجر الخذلان، والانكسار، سواءً من المقربين، والأصدقاء، أو حتى من قبلنا نحن؛ فعدو الإنسان الأول «نفسه». خلال لحظات انكسارنا الإنساني، وشعورنا بالخذلان ممن حولنا، نجد في أفلام السيرة الذاتية منفذًا للهروب من الواقع، إذ أنها أعمال إبداعية تعزف على أفراح وأحزان الروح الإنسانية.

وقد جاء فيلم «ماريا» (Maria) الذي يتناول حياة مغنية الأوبرا الأسطورية ماريا كالاس (Maria Callas)، ليؤكد أن حتى الشخصيات اللامعة تحمل في داخلها ندبات الخذلان، ويقدم هذا المقال تحليلاً نقديًّا وفلسفيًّا للفيلم وأداء بطلته.

هذا النوع من المشاعر الذي يتسلل خلسةً إلى قلبك في لحظاتٍ يتملكها الخوف، والضعف، والفقد، وانهيار الأحلام أيضًا، يولِّد فينا فراغًا داخليًا يصعب إعادة شحنه بسهولة، كون الجرأة على التخطي، والمضي قدمًا، تقل.؛ ما يجعلك في حيرةٍ من أمرك، خلال محاولاتك بلورة أفكارك من جديد، وخلط الأوراق التي ظننت سابقًا أنها مرتبة بعناية، وفق معايير أخلاقية تؤمن بصوابيتها. والآن؛ تدرك أن ليس الكل جاء كما توقعته، وتمنَّيته.

وهذا يخلق بالضرورة ندباتٍ روحية، تتطلب شجاعة كافية لكي تندمل بسرعة، قبل احتدام الصراع مع ذاتك، وتفريغ جام الغضب عليها وتحميلها وزر ما اقترفته طباع الآخرين بحقها. ربما الوحدة الحل الأمثل للتصالح مع الواقع المعاش، ومساحة حرة لكي يتمكن النور من التسلل إلى حياتك في أعقاب اللحظات الصعبة، بعد أن تعاتب نفسك، وتغفر لها، وتتخذ القرارت الصائبة. لحظة؛ هذا لا يعني أنك لن تُخذل نهائيًا، أو تُكسر، ولكن مع كل تعثر تحصل عليه؛ يجب عليك تعلم آلية النهوض من جديد بأقل قدرٍ من الخسائر. ربما تكون في المرة القادمة أقوى، بسبب النضج الفكري والمعرفي. 

السينما ملجئي سحر أفلام السيرة الذاتية

خلال لحظات انكساري الإنساني، وشعوري بالخذلان ممن حولي، أجد في أفلام السيرة الذاتية منفذًا للهروب من واقعي، وخير مؤنسٍ لعزلتي. بصفتها أعمالًا إبداعية تعزف على أفراح وأحزان الروح الإنسانية، من خلال طرح معاناة شخصياتٍ من هذا العالم الفني، أضحوا قدوةً لأجيالٍ عديدة. 

ربما أريد أن أؤكد لنفسي فكرة عدم وجود سعادةٍ تامة؛ في هذه الدنيا الفانية، ومهما صادفنا أناسًا ناجحين ولامعين نرغب الاحتكاك مع بريقهم، أو سرقة شيءٍ منه نحن المتوارين في الظل، هناك في المقلب الآخر هشاشة بشرية، وضعفٌ لم يتلقفه المجد. ولا يجيد الحديث عنه في أثناء زحمة النجومية والأضواء. 

فيلم «ماريا» للممثلة أنجلينا جولى والمخرج بابلو لاراين، الذي يتناول حياة مغنية الأوبرا العالمية ماريا كالاس، آخر فيلم شاهدته ضمن فئة «السيرة الذاتية». وطبعًا لم يخب ظني به، أقصد بالنسبة إلى جرعة الخذلان التي احتواها المنتج الدرامي. 

بكل صراحة أعرف ماريا بالاسم فقط، فمثلي مثل كثيرين، لا نستسيغ هذا النوع من الفنون. لذا كانت رحلتي الاستكشافية لهذه السيدة ممتعة، واستمعت باهتمام للمقاطع الأوبرالية الغنائية في العمل. هذا سر السينما، وسحرها. 

خيال وهلوسات وجراح تحليل فيلم ماريا

لا أخفيك صديقي القارئ، أنا واحدٌ من الناس أطمح في الأفلام التي تستعرض حياة المبدعين والمشاهير، أن تكون سيرًا تكريمية لأصحابها، والاحتفاء بمنجزهم الثقافي، أو الفني، أو الجمالي. 

بالتأكيد فكرة عيش بعض كواليس النجومية مغرية للمشاهد، ومجال للتقرب الإنساني من تلك الشخصيات، واختبار شتى أنواع الألم النفسي والجسدي، ولكن دون التجريح بكراماتهم، والإساءة لهم، وهم أموات.

عبر أجواء باريس الشتوية، يحلق بنا المخرج لارين إلى أيقونته الغنائية؛ ليزيح الستار عن إنسانة محملة بالأسرار، والأحزان، والعظمة، وعشقها الذي كان سببًا بزوالها الوجودي. 

نرى ماريا كالاس في آخر أيام حياتها -تحديدًا أسبوعها الأخير- وهي تكافح لتظل صاحبة الحنجرة الذهبية؛ في وقتٍ لم يعد فيه المسرح راغبًا بموهبة فقدت قوتها. 

أحداث فيلم ماريا

ماريا في شقتها الكبيرة التي تتناسب مع ما حققته لها الشهرة، تعيش مع سائقها وحارسها الشخصي فيروتشيو (بييرفرانشيسكو فافينو)، ومدبرة المنزل والطاهية برونا (ألبا روهرواشر)، اللذين يحاولان منعها من تناول دواء «ماندراكس» الذي تسيء استخدامه؛ ما جعل الكوابيس، والهلوسات تتمكن منها. يظهر هذا جليًا في الحوار التلفزيوني المزعوم الذي أجرته مع المحاور ماندراكس -مستوحى من حبوبها- (الممثل الشاب كودي سميت ماكفي)، إن كان في منزلها، أو في شوارع باريس.

يتم التعاطي مع ماضيها، ومآسيها في المراهقة، وعلاقتها بعائلتها -أمها وأختها- بخجل، وعلى الرغم من ذلك يكشف مشهد محاولة استغلال والدتها لها تلبيةً لأهواء الضباط النازيين لأثينا المحتلة؛ بداية الخذلان الذي تعرضت له؛ إن كان من أقرب شخصٍ لها -لحمها ودمها- إلى جانب الحرب والفقر، ولاحقًا رجالات آخرين استغلوا شهرتها، وحاولوا طمس وجودها، بذكورية سلطتهم، وأموالهم. أبرزهم المليونير اليوناني أرسطو أوناسيس (هالوك بيليجنر). 

بعيدًا عن السردية الدرامية التي تفصح عن جراح الماضي لماريا، وتنفض الغبار عن عذابات الروح، أو حتى في إلقاء الضوء على جزء بسيط من نجاحاتها، نستطيع القول إن مشاهد التدريب اليومي في صالة الأوبرا مع عازف البيانو جيفري (ستيفن آشفيلد)، أكثر المشاهد جمالًا، والأعمق عاطفيًا من ناحية الأداء التمثيلي، والطرح الفني. حتى للحوار هنا متعة، والذي تطور تدريجيًا بين الاثنين بمرور الوقت، نتيجة الصدق الذي أظهره جيفري بإرشاداته لماريا، محاولًا مساعدتها على إصلاح ما أصاب حنجرتها من شيخوخة. 

كيف لا وأنت تتعامل مع صوت سوبرانو عظيم، له شهرته، والقيمة الفنية التاريخية التي لا يمكن غير الانحناء لها احترامًا. 

إبداع المخرج بابلو لارين

نقلنا لارين ما بين خيال وهلوسات ماريا الكثيرة؛ راغبةً في إنعاش كيانها ووجودها الموسيقي، وحاضرها الذي يحاول صديقها الجديد حملها على العيش فيه والاعتناء بنفسها وحبالها الصوتية؛ علَّها تظفر بما تيسر من صوتها للعيش بكرامة وبريق النجمة، ضمن عالمها الملتصق بها. 

المخرج بابلو لارين

طبعًا أضفت أنجلينا جولي سحرًا خاصًا على الشخصية، وغزَّتها من روحها، وهذا واضحٌ من خلال تجسيد تعقيداتها النفسية، دون أن تنسينا بحضورها أنها أيضًا أيقونة فنية. 

ربما نهرب نحن البشر -بعضًا منا- من الخذلان الذي يعانقنا، إلى الأفلام وخصوصًا الذاتية؛ لتذكيرنا بجوهر الإنسان، الجوهر الذي يقع على عاتقنا الاعتناء به، وتلميعه، لأجلنا في الدرجة الأولى؛ لأن نفسك هي الدائمة لك في النهاية، وإن كنت تمتلك محبين لا بد من التعرض للخيبة عاجلًا أو أجلًا، ليس بالضرورة بصورة صريحة، لكن يكفيك الشعور الذي يخبرك «أنت في الهاوية». كآبة هذه الأعمال السينمائية؛ يمكن اعتبارها دعوة للتحرر من قيود الأفراد والمجتمع، التي تبقيك هشًا وإن خُدعت بعكس ذلك، كي لا تخرج عن الصورة النمطية للعلاقات البشرية، وآلية التعاطي معها.

لذا عليك من اليوم مد ذاتك بالقوة، وإشباعها، وعدم رفع سقف التوقعات في الآخرين، وأن كل خذلان يدفعك للنهوض، حتى لا تُزاح عن مسارك المستقيم. ولكن أشك في ذلك! 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.