لا يُعد فيلم "جميلة" مجرد عمل سينمائي بارز في تاريخ السينما المصرية، بل هو وثيقة فنية وسياسية تجسد شجاعة النضال الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي. بقيادة المخرج العالمي يوسف شاهين وإصرار الفنانة والمنتجة ماجدة، وبقلم عمالقة مثل نجيب محفوظ، تحول الفيلم إلى ملحمة خالدة لم تروِ قصة المناضلة جميلة بوحيرد فحسب، بل أصبحت قصة إنتاجه بحد ذاتها معركة إبداعية وسياسية، كشفت عن صدام الرؤى الفنية والإصرار على تقديم عمل يخدم قضية عربية كبرى، ليترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة الشعوب.
يحتل فيلم (جميلة) للمخرج يوسف شاهين المركز الرابع والخمسين في قائمة أفضل 100 فيلم مصري في تاريخ السينما المصرية، وفقًا للقائمة التي أُعلنت في احتفالية مئوية السينما المصرية التي نظمها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1996، وقد عُرِض الفيلم في عام 1958، ويُصنَّف على أنه دراما تاريخية.
قصة فيلم (جميلة)
تدور أحداث الفيلم عن جميلة بوحيرد التي غادرت الريف وانتقلت إلى مدينة الجزائر لتعيش في حي القصبة برفقة شقيقها الهادي وعمها مصطفى؛ أملًا في أن تحظى بفرصة للتعليم، كبرت جميلة وهي ترى وطنها رازحًا تحت وطأة الاحتلال الفرنسي، وتشاهد جنوده ينهبون الخيرات ويزرعون الخوف في مدارسهم، وكانت تُلقَّن عن تاريخ وثقافة فرنسا، في حين يُطمس كل ما يتعلق بالجزائر.
لاحظت جميلة تصاعد المقاومة، لا سيما مع مطاردة الجيش الفرنسي ليوسف، أحد رموز النضال، ورأت زميلتها أمينة تنفذ عملية تفجير لأحد مراكز الشرطة قبل أن تُعتقل وتُعذب وتنهي حياتها بيدها هربًا من الذل، تركت أمينة سرًا خطيرًا لجميلة: اسم الخائن هارون، طلبت جميلة من عمها الانضمام إلى المقاومة، لكنه رفض خوفًا عليها.

اكتشفت لاحقًا خطأها حين لجأ يوسف إليهم هاربًا من الملاحقة، وعلمت أن عمها من رجال المقاومة، اشتد شغف جميلة بالانضمام إلى جبهة التحرير الوطني، بقيادة المجاهد عبد القادر في الجبال. وافقت القيادة على ضمها، وكانت أولى مهامها توصيل رسالة عاجلة تنذر بخطر الخائن هارون، ثم تعرَّفت جميلة على عزام ابن القاضي حبيب المتهم بالخيانة، لتكتشف لاحقًا أن القاضي هو أحد قادة المقاومة السرية، يتعاون مع الفدائيين من موقعه القريب من الكولونيل بيجار، قائد القوات الفرنسية.
وعلى الرغم من مشاعر الحب التي بدأت تنمو بين جميلة ويوسف، فإن حب الوطن كان أقوى، شاركت جميلة في عملية استلام شحنة أسلحة من مصر، لكن الأمور لم تسر كما هو مخطط، وتم القبض على عمها مصطفى. حاول القاضي حبيب إنقاذه، لكن الضابط كوبار قتله مع 600 جزائري في حي القصبة، ما دفع يوسف إلى التخطيط للانتقام.
وقد نفذت جميلة وبوعزة عملية تفجير لكافتيريا فرنسية لتشتيت الانتباه عن كمين أعده يوسف بمساعدة الراقصة اليونانية سيمون التي جمعت الضباط الفرنسيين في حفل عيد ميلاد وهمي ليقضي عليهم الفدائيون، لكن الفرنسيين اكتشفوا موقع مجموعة يوسف.
حاولت جميلة تأمين انسحاب المجموعة، وضحَّت بنفسها لتصيبها رصاصات الاحتلال وتُعتقل، بدأت رحلة التعذيب الوحشي، لكنها صمدت من أجل الجزائر، واستغل القاضي حبيب وثائق تدين تعذيبها وسرَّبها إلى مصر التي أوصلت القضية للعالم. اشتعل الرأي العام، واضطر الفرنسيون لإجراء محاكمة صورية تولى فيها المحامي الفرنسي فرجيس الدفاع عنها، وعلى الرغم من دفاعه الشجاع، صدر الحكم بالإعدام.
أبطال فيلم جميلة
شاركت الفنانة ماجدة في فيلم (جميلة) بدور جميلة بو حيرد، وشارك الفنان أحمد مظهر بدور يوسف، والفنانة زهرة العلا بدور بو عزة، والفنانة كريمان بدور حسيبة، والفنان حسين رياض بدور القاضي حبيب، والفنان محمود المليجي بدور المحامي جاك فيرجيس، والفنانة فريدة فهمي بدور سيمون، بالإضافة إلى كوكبة كبيرة من النجوم مثل فاخر فاخر، وصلاح نظمي، وفتوح نشاطي، وعتلي كاسب، وعبد الغني قمر، وسعيد خليل، وأحمد دكتور، وتهاني راشد، ونادية الجندي، وشفيق نور الدين، ومطاوع عويس.

صُناع فيلم (جميلة)
فيلم (جميلة بو حريد) من إخراج المخرج يوسف شاهين، وساعده في الإخراج علي رضا ومحمد عبد الجواد، والفيلم من تأليف يوسف السباعي، وسيناريو وحوار نجيب محفوظ وعلي الزرقاني وعبد الرحمن الشرقاوي ووجيه نجيب، والفيلم من إنتاج الفنانة ماجدة، وقام بعمل الديكور أنطوان بوليزويس، والمونتاج لمحمد عباس، والمكياج ليوسف محمود، والصوت لنصري عبد النور، ومدير التصوير عبد العزيز فهمي.
بداية فيلم جميلة
بعد النجاح الذي حققه فيلم (أين عمري) قررت الفنانة الكبيرة ماجدة البحث عن قصة قوية وجديدة لتقديمها في السينما، وفي هذه الأثناء تم القبض على المناضلة الجزائرية (جميلة بوحيرد). وتابعت ماجدة باهتمام شديد كل التقارير والأخبار الصحفية التي كُتبت عن جميلة، واستعانت بأصدقائها الصحفيين لجمع هذه المواد بعد ذلك، ثم ذهبت إلى الكاتب الكبير يوسف السباعي وطلبت منه أن يكتب لها قصة عن جميلة بوحيرد، أُعجب يوسف السباعي بالفكرة، وبدأ بالفعل في كتابة القصة.
دور اللجنة العليا لتحرير الجزائر
لم تكتفِ ماجدة بما جمعته من مواد صحفية عن جميلة، بل تواصلت مع اللجنة العليا لتحرير الجزائر، والتي زودتها بكثير من المعلومات حول جميلة بوحيرد.
ماجدة والبحث عن سيناريست
بعد أن انتهى الكاتب الكبير يوسف السباعي من كتابة القصة، بدأت الفنانة ماجدة في البحث عن كاتب سيناريو، ولم تكتفِ بكاتب واحد، بل استعانت بثلاثة من أعظم كتاب السيناريو في ذلك الوقت، وهم نجيب محفوظ، وعبد الرحمن الشرقاوي، وعلي الزرقاني، وذلك لكتابة السيناريو في وقت قياسي.
البحث عن مخرج
بعد أن أتمت ماجدة قصة وسيناريو فيلم (جميلة)، بدأت رحلة البحث عن مخرج. في البداية وقع اختيارها على المخرج عز الدين ذو الفقار، وعقدا جلسات عمل عدة، لكن خلافًا شديدًا نشب بينهما، فقد أصر ذو الفقار على ربط قصة نضال جميلة بوحيرد بالواقع السياسي المصري، وهو ما رفضته ماجدة بشدة، وتفاقم الخلاف بين ماجدة والمخرج عز الدين ذو الفقار بشكل كبير، ما دفعها إلى تقطيع المشاهد التي كتبها عز الدين ذو الفقار بنفسه لإضافتها إلى أحداث الفيلم؛ وقد أثار هذا التصرف غضبه الشديد -كما صرحت ماجدة في حواراتها- ودار بينهما الحوار التالي الذي صرَّحت به الفنانة ماجدة وقالت: «تمسكت بوجهة نظري وقلت أنا المنتجة والبطلة ومتمسكة برأيي، فقال: وأنا مش هخرج الفيلم إلا بالتعديلات اللي فيه، وهنا وصلنا للذروة، فأمسكت بالسيناريو وقطعت المشاهد التي كتبها عز بنفسه ورميتها من شباك مكتبه، فوجدته في قمة غضبه يقول: إزاي ترمي اللي كتبته من الشباك؟ فقلت: وأرمي أي حاجة تقف قدام مشروعي، فقال وقد زادت ثورة غضبه: إنتِ يا اللي لسه مطلعتيش من البيضة تقفي قدامي وتتحديني؟ فقلت بمنتهى التحدي: وأقف قدام جبل، أنت مين يعني؟».
أزمة عز الدين ذو الفقار
وضع انسحاب عز الدين ذو الفقار من الفيلم ماجدة في ورطة كبيرة، خاصة أنه لم يتبقَّ سوى خمسة أيام على التصوير، وكانت قد أنفقت مبلغًا كبيرًا على بناء الديكور، فقد بلغت تكلفته وقتها 100 ألف جنيه.
البحث عن بديل عز الدين ذو الفقار
بدأت ماجدة في البحث عن مخرج آخر، فوقع اختيارها على المخرج يوسف شاهين، عرضت عليه القصة والسيناريو، لكنه أراد هو الآخر أن يعدل في الأحداث، فقد اقترح أن يبدأ الفيلم بقصة جميلة بوحيرد الفتاة الهادئة المسالمة، ثم تحدث نقطة تحول تجعلها مناضلة ثائرة، ليكون هناك مبرر درامي ومنطقي لما يحدث، وقد أُعجبت ماجدة بهذه الفكرة.
خلاف ماجدة ويوسف شاهين
بمجرد أن دارت كاميرا التصوير، اشتعلت شرارة الخلافات بين ماجدة ويوسف شاهين. كانت ماجدة تحلم بفيلم يصل بسهولة إلى قلب الجمهور، في حين كان شاهين يسلك طريقًا فنيًا معقدًا، ممتلئًا بالرمزية والدلالات. ولم تقبل ماجدة هذا الأسلوب، وتمسَّكت بأسلوبها الخاص في الأداء، وقوَّى موقفها أنها منتجة الفيلم، وصل الخلاف بينهما إلى حد اختيار نوع العدسة وكادرات التصوير في أحد المشاهد.

ذروة الخلاف بين ماجدة ويوسف شاهين
تطور الخلاف بين ماجدة ويوسف شاهين، ووصل إلى أن يوسف شاهين كان يعطي تعليماته لأحد أفراد طاقم العمل ليوصلها إلى ماجدة، وكانت ماجدة تقوم بالتعليق عليها وإرسالها إلى شخص آخر ليرسلها إلى يوسف شاهين، وانتهى الأمر بينهما إلى قطيعة تامة.
أثر خلاف ماجدة ويوسف شاهين على مدير التصوير
كان عبد العزيز فهمي حلقة الوصل بين ماجدة ويوسف شاهين، فقد كان ينقل تعليمات يوسف شاهين إلى ماجدة، وينقل تعليقات ماجدة إلى يوسف شاهين، وقد ملَّ عبد العزيز فهمي من هذا الوضع، ووصل به الانهيار إلى أن سقط مغشيًا عليه في مكان التصوير.
يوسف شاهين يخفي نيجاتيف الفيلم
من شدة غضب يوسف شاهين من ماجدة، أخفى نيجاتيف الفيلم، وعندما سأله بعضهم عنه، قال: خلِّي ماجدة تدور عليه!
تدخل الأمن لحل الأزمة
تدخل الأمن لحل الخلاف بين يوسف شاهين وماجدة من أجل استكمال تصوير الفيلم وعرضه، واستجاب يوسف شاهين لطلب الأمن.
تهديد ماجدة بالقتل
تم تهديد الفنانة ماجدة بالقتل بسبب قيامها بدور جميلة بوحيرد في الفيلم، وقامت فرنسا بضغوطات كبيرة لمنع عرض الفيلم في الدول العربية، لكنه عُرض وحقق نجاحًا كبيرًا.
الفيلم ينقذ جميلة الحقيقية من الإعدام
كانت المناضلة جميلة بوحيرد قد حُكم عليها بالإعدام، ولكن تم إلغاء الحكم بسبب الغضب الشعبي الذي أثاره الفيلم.
حضور الرئيس الجزائري العرض الخاص للفيلم
بعد انتهاء الأزمة بين ماجدة ويوسف شاهين، عُرض الفيلم في عرض خاص حضره أحمد بن بيلا، رئيس اللجنة العليا لتحرير الجزائر، والذي أصبح فيما بعد أول رئيس للجزائر.
مشاركة الفيلم في مهرجان موسكو
شاركت مصر بفيلم (جميلة) في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1959.
جميلة بوحيرد لم يعجبها الفيلم
قالت جميلة بوحيرد: أنا لم أرَ الفيلم، ولكني أصدق إخوتي الذين شاهدوه وقالوا إنه مليء بالمبالغات، ثم إنني أعترض على فكرته من حيث المبدأ، فإن في الجزائر 5 ملايين جميلة بوحيرد، فيها 5 ملايين ذُقن عذابًا مثلها وقدَّمن التضحية طواعية واختيارًا، فلماذا أحتكر كل هذا الصيت؟ ولماذا تعطونني ما لا أستحق؟ هناك عشرات قدَّمن التضحيات أكثر مما قدمت، إنني أعيش ولكن بعضهن استشهد، فمن الذي يستحق التمجيد؟

يبقى فيلم جميلة علامة فارقة في تاريخ السينما العربية، ليس فقط كعمل فني جسّد ببراعة قصة نضال ملهمة، بل كشهادة على أن صناعة السينما قد تكون ساحة معركة حقيقية، لقد كشفت كواليس إنتاجه عن صدام إرادات ورؤى فنية بين منتجة عنيدة ومخرج عبقري، وهو الصدام الذي أنتج في النهاية عملاً خالداً. لقد تجاوز الفيلم شاشة السينما ليصبح أداة ضغط سياسي أسهمت في قضية حقيقية، ورسخ مكانته كأيقونة فنية وسياسية. وعلى الرغم من تحفظ البطلة الحقيقية عليه، يظل (جميلة) شاهدًا على قوة السينما في صناعة التاريخ والتأثير في الوعي الجمعي، ليثبت أن الفن حينما يلتزم بقضايا الإنسان والوطن، يكتسب خلودًا لا يضاهى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.