
عبد الكريم عبد العزيز محمد عبد العزيز بن يوسف بن عبد الرحمن (عبد الكريم الكابلي) من مواليد مدينة بورتسودان عام 1932م..
نشأ وشب ما بين مدن بورتسودان، وسواكن، وطوكر، والقلابات، والقضارف، وكسلا.
تلقّى دراسته بخلوة الشيخ الشريف الهادي والمرحلة الأولية والوسطى بمدينة بورتسودان، والمرحلة الثانوية بمدينة امدرمان بكلية التجارة الصغرى (سنتان)..
وبعد أن تخرَّج منها التحق بالمصلحة القضائية، وقضى فترة في محكمة مروي، وتعيّن في وظيفة مفتش إداري بإدارة المحاكم، وذلك في العام 1951م، وعمل بها لمدّة أربعة سنوات..
وقد هام بمدينة مروى هذه المدينة الجميلة.. ومجدها (بأوبريت مروي).
فيك يا مروى شفت كل جديد... وفيك شفتة عيون لعبو بى شديد... وانكويت بالنار من زهور في خديد..
وهو أشبه بثوب قشيب موشى بالألوان والظلال الزاهية، ويعتبر إضافة حقيقية للمكتبة الغنائية السودانية، ثم تمّ نقله إلى مدينة مروي ومكث بها لمدّة ثلاثة سنوات إلى أن تم نقله مرّة أخرى إلى مدينة الخرطوم...
واستمرّ بها حتى وصل إلى درجة كبير مفتشي إدارة المحاكم في العام 1977 م، وبعد ذلك هاجر إلى المملكة العربية السعودية ليتعاقد مع إحدى المؤسسات السعودية مترجمًا في مدينة الرياض في العام 1978م..
ولم تستمر غربته طويلًا، حيثُ عاد إلى السودان في العام 1981 م ليواصل رحلته الإبداعية مرّة أخرى.
عبد الكريم الكابلي شاعرٌ وملحنٌ ومطربٌ وباحثٌ في التراث الشعبيّ السودانيّ، ظهرت موهبته الصوتية الغنائية وهو بالمرحلة الدراسية المتوسطة بمسقط رأسه مدينة (الثغر) ببورت سودان..
وجاء على لسان أستاذه ضرار صالح ضرار بأنه أثناء أداء التلاميذ للأناشيد المدرسية، كان يسمع صوتًا نديًا لأحد التلاميذ من خلفه.
وعندما يلتفت ليتحقق من مصدر الصوت يتوقف صاحب الصوت عن الغناء إلى أن تمكن من معرفة ذلك الصوت الرخيم، وأصرّ على ضمه إلى مجموعة الأناشيد..
ومن الأشياء التي برز فيها في تلك الفترة، ونقصد بها بدايات الكابلي..
تعلَّم الكابلي العزف على آلة (الصفّارة)، وهي من آلات النفخ البسيطة، ولإجادته العزف عليها أصبحت فقرة لازمة في كل نشاط تقوم به المدرسة..
وفي السنة الأخيرة من تلك المرحلة تعلَّم العزف على آلة العود، ثم التحق بكلية التجارة الثانوية الصغرى بأمّ درمان، وواصل العزف والغناء مقلّدًا لكبار أهل الطرب والغناء في ذلك الوقت.
وكان الكابلي يغني لزملائه وأصدقائه، وبعد تخرِّجه التحقّ بالمصلحة القضائية في وظيفة كتابية، وواصل العزف والغناء للأصدقاء حتى تمكّن من وضع الكلمات والألحان لأول أغنية له..
وكانت بعنوان «يا زاهية» أهداها للفنان القدير عبد العزيز محمد داؤود الذي تغنَّى بها، واعتبرت المرحلة الذهبية للكابلي هي تلك التي وقف فيها أمام الزعيم جمال عبد الناصر في عام 1960م عندما غنى أنشودة «آسيا وإفريقيا»، وهي أغنية تمجّد ظهور حركة عدم الانحياز ومؤتمر باندونج بإندونيسيا.
وفي نفس العام جاءت أولى محاضراته عن الغناء الشعبيّ السودانيّ بمدرسة المؤتمر الثانوية العليا.
ومع مطلع الستينيات من القرن العشرين بدأت زيارات الكابلي إلى البلاد العربية والأوروبية وغيرها، كما تواصلت محاضراته في دور العلم والمعاهد والمنتديات الثقافية داخل وخارج السودان في أمور الثقافة والتراث الشعبيّ السودانيّ..
هذا إلى جانب تأليفه للشعر العربيّ فصيحه ودارجه ووضع الألحان لأشعاره وأشعار الآخرين.
والمحطة الثانية هي غناؤه في حضرة الراحلة الكبيرة السيدة أم كلثوم، التي زارت السودان لإحياء حفلتين موسيقيتين في إطار جولة لدعم المجهود الحربيّ المصريّ بعد نكسة 1967م.
آنذاك رفض الكابلي حضور أيّ من الحفلتين، وقال لأصدقائه «لن أستمع إلى أم كلثوم قبل أن تستمع هي إليّ». وهكذا كان.
اختار آنذاك قصيدة أبي فراس الحمداني «أراك عصي الدمع»،
أراك عصي الدمع... شيمتـك الصبـر... أمـا للهوى نهـي عليـك ولا أمـر... بلى أنـا مشتـاق وعنـدي لوعـة ولكـن مثلـي لا يـذاع لـه سـر...
بعد أن لحَّنها وفقًا للسلم الخماسي المعتمد في الألحان السودانية أدّى القصيدة التي سبق لأم كلثوم أن برعت في غنائها، وعندما انتهى هم بالانصراف كعادته ليتفاجأ بسيدة الغناء العربي تبحث عنه لتصافحه وتشجعه وتبدي إعجابها بأدائه..
لكنه تعرّض للنقد، إذ اعتبر البعض أنه يبحث عن التحدي والمنافسة، ولكنه لم يتوقف كثيرًا عند هذا الأمر، وبعد فترة لحَّن قصيدتي «الجندول» و«كليوباترا» على طريقته.
ولم ينسَ الكابلي مأساة فلسطين، فغنَّى لها:
بدمي سأكتب فوق أرضك... يا فلسطين اسلمي... وأموت يا يافا... شهيد الوعد... واسمك في فمي
السرّ في هذا الفنان أنه كان لا يبحث عن الجماهيرية والمنافسة، ولم يسعَ إلى احتلال مكانة بارزة تحت الأضواء.
كان يحبُّ الشعر، يكتبه بمعزل عن الغناء، كما يكتب المقالات بقلم يليق به كأديب...
لم يحاول أن يخرج من الموسيقى السودانية، أراد طوعًا وبإصرار البقاء في دائرتها وتطويرها من دون أن يفقدها غناها وخصوصيتها.
وقد رحل عن هذه الدُّنيا الفنان عبد الكريم الكابلي في 3 ديسمبر 2021م بالولايات المتحدة الأمريكية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.